القمع باستخدام الطب النفسي.. عندما دخلت نساء أميركيات مصحات نفسية لشكاوى كيدية

كان من السهل على الرجال اتهام زوجاتهن بالتمرّد، وهو ما قام به زوج إليزابيث، حيث رتّب إجراءات إحالتها إلى مصحة الأمراض العقلية دون الحاجة إلى تقديم دليل على الجنون، وهو أمر مطلوب في حالات أخرى.

Woman in Straitjacket at a Psychiatric Hospital
بأميركا في القرن 19 كانت تعتبر رغبة المرأة في الاستقلال مرضا نفسيا وضربا من الجنون (غيتي)

في إحدى الليالي الصيفية الحارة من يونيو/حزيران 1860، أُغلق باب مصحة الأمراض العقلية في وجه إليزابيث باكارد، وفقدت الأمل كليا بالخروج من هناك. لم يكن السبب أنها مجنونة، بل لأنها ترغب في أن تكون مستقلة.

في تقرير نشرته مجلة "التايم" (Time) الأميركية، تقول الكاتبة كيت مور إن قواعد الطب النفسي في القرن 19 كانت تعتبر رغبة المرأة في الاستقلال عن الرجل مرضا نفسيا وضربا من الجنون، لذلك يتم إرسالهن إلى مصحات الأمراض النفسية، ويُحتجزن هناك بتهم منها إحداث "أضرار بالغة بالأسرة" وتحدي "السيطرة المنزلية".

لذلك أُدخلت إليزابيث -وهي ربة بيت وأم 6 أطفال- إلى مصحة "جاكسونفيل للأمراض العقلية" في إلينوي، لأنها أرادت بكل بساطة الوقوف في وجه زوجها المستبد.

وكتبت إليزابيث دفاعا عن سلامة مداركها العقلية أثناء وجودها في المصحة "أنا، على الرغم من كوني امرأة، أتمتع بحرية التعبير عن رأيي بقدر ما يتمتع زوجي بهذا الحق".

دور المرأة في المجتمع

وتقول الكاتبة في وصف أوضاع النساء في العالم الغربي أنه على امتداد قرون، كان يُعتقد أن دور المرأة مرتبط ارتباطا وثيقا بأعضائها الأنثوية ووظيفتها الإنجابية، وكانت حقوقها الأساسية تتلخص في كونها زوجة وأما فقط.

وعندما قُسّمت أدوار الجنسين في القرن 19 على أساس بيولوجي (العمل والتفكير للرجال، والمنزل والأطفال للنساء)، مهّد ذلك لاعتبار أن أي امرأة ترفض دورها المنزلي والانقياد لسلطة الرجل، متخلفة عقليا، بحسب قول الكاتبة.

كانت النساء اللواتي يتلقّين تعليمهن في المدارس، أو يعبّرن عن آراء مخالفة للنظرة الشائعة حول دور المرأة في المجتمع، يُصنّفن ضمن خانة "الشذوذ السلوكي"، أي أنّهن يعانين من اضطراب "الجنون الأخلاقي"، وهو التشخيص الذي ابتكره جيمس كاولز بريشارد عام 1835. لذلك، كانت النساء في الولايات المتحدة تُحتجزن في المصحات إلى أن يُظهرن "سلوكا أنثويا طبيعيا".

كان من السهل على الرجال اتهام زوجاتهم بالتمرّد، وهو ما قام به زوج إليزابيث، حيث رتّب إجراءات إحالة زوجته إلى مصحة الأمراض العقلية "دون الحاجة إلى تقديم دليل على الجنون، وهو أمر مطلوب في حالات أخرى".

تقول إليزابيث "وضعني (زوجي) في هذه المصحة وهو مصمم تماما على أنه يتعيّن عليّ ارتداء ملابس مناسبة والانضباط قبل أن يصطحبني إلى المنزل".

أدركت إليزابيث بوضوح تام أن المستقبل الذي ينتظرها قاتم إذا رفضت الخضوع لأوامر زوجها. في الحقيقة، كانت العديد من زميلاتها في المصحة عاقلات أيضا، لكنهن كن يقبعن هناك منذ أعوام، وقد أُدينت إحداهن بتهمة "الغيرة الشديدة".

circa 1890: Susan Brownell Anthony (1820-1906), American feminist leader and campaigner of women's rights. (Photo by Hulton Archive/Getty Images)سوزان براونيل أنتوني (1820-1906) نسوية أميركية وناشطة في مجال حقوق المرأة (غيتي إيميجز)

أدوية وعمليات جراحية

كانت رفيقات إليزابيث في المصحة ملتزمات بالتعلّم وقراءة الروايات، وكان المكان مكتظا، حيث كانت المصحة تؤوي 231 مريضة مقسّمات على 8 أجنحة، و240 مريضة أخرى على قائمة الانتظار. وكان الأطباء يعمدون إلى استخدام الكلوروفورم والأثير لتهدئة النساء "الجامحات".

كما كان من المعتاد تقييد النساء اللاتي يعصين الأوامر بالسترات الخاصة بالمرضى النفسيين، وإذا لم تنجح الأدوية والسترات في السيطرة عليهن، فإنهن كن يخضعن لعمليات جراحية.

وكشفت تقارير طبية عن تلك الفترة، أن امرأة تبلغ من العمر 20 عاما، اتُّهمت بقضاء "وقت طويل في القراءة"، وأخرى تبلغ من العمر 30 عاما، تجرأت على التعبير عن "كرهها الشديد لزوجها"، خضعتا لعمليتين جراحيتين.

مصدر إلهام

أدركت إليزابيث الواقع القاسي الذي تعيشه، "فإذا بقيت النساء متمسكات بآرائهن، فلا أمل لهن في الحياة". كان لا بد من كبت كل عاطفة حقيقية، وقمع كل سلوك يختلف عن "نموذج الأنوثة" الذي حدّده المجتمع. لهذا السبب، لم تستطع إليزابيث إظهار غضبها مما كان يحدث أو حتى التلميح بأنها تكره زوجها، حيث كان طبيبها النفسي يراقبها، وكانت عواطفها "غير المناسبة" مبرّرا لمواصلة حبسها.

في تلك الليلة الصيفية الحارة من عام 1860، اعتقدت إليزابيث أن حياتها قد انتهت، ولكنها في الواقع كانت مجرد بداية. كتبت إليزابيث في المصحة "أسوأ ما يمكن أن يفعله أعدائي بي، حصل فعلا، وأنا لم أعد أخشاهم. أنا الآن حرة في أن أكون صادقة. هذه الآليات التي تهدف لسحق المرأة لن تكون مجدية، لأن المرأة الحقيقية سوف تصبح أقوى في ظل هذه الظروف، بدلا من أن تنكسر".

وترى الكاتبة أنه يمكننا أن نستمد الإلهام من قصة إليزابيث، تلك المرأة التي أعلنت -مثل الكثير من النساء الأخريات قبلها- رفضها للواقع المظلم، واتُّهمت بالجنون لمجرد تعبيرها عن رأيها. ورغم كل المآسي، تمكنت من الانتصار وتغيير العالم، وتعزيز حقوق المرأة.

المصدر : تايم

حول هذه القصة

المزيد من مرأة
الأكثر قراءة