وفاء أبو موسى.. فلسطينية تقدم الدعم النفسي لأطفال الحروب منذ 20 عاما

الذكاء الوجداني للمشاعر مهم جدا لمن يمر بأزمات كبيرة تضر بمشاعره فتجعله منفتحا أو منغلقا على نفسه فكريا

وفاء أبو موسى تتوسط أبناء شهداء غزة في مخيم للدعم النفسي بالقاهرة عام 2013 (الجزيرة)

في أحد مخيمات اللاجئين في مدينة خان يونس بجنوب قطاع غزة، نشأت الفلسطينية وفاء أبو موسى، أدركت الحروب والانتفاضات، وتعلمت على أيدي أهلها تاريخ بلادها وآلامه، لتصبح بعد سنوات مستشارة نفسية تعمل بالدعم النفسي للأطفال والمراهقين في فلسطين أثناء الحروب والأزمات منذ أكثر من 20 عاما.

وفاء محمد أبو موسى، حاصلة على الماجستير والدكتوراه في فلسفة التربية والدعم النفسي من جامعة عين شمس المصرية. أجرى الجزيرة نت حوارا معها حول رحلتها من المخيم إلى خدمة أبناء بلدها في الأزمات.

أين نشأت في غزة؟

تقول دكتورة وفاء أبو موسى: نشأت في أحد مخيمات اللاجئين بمدينة خان يونس. أهلى وعائلتي من دار أبو موسى، من العائلات البدوية الموجودة في بئر السبع في فلسطين المحتلة، تم تهجير جدودي في عام 1948، ليستقروا في مدينة جباليا في شمال غزة، بعد ذلك تم منحهم بيتا في خان يونس من قبل منظمة الأونروا. وهناك ترعرع أبي وأمي ومن ثم تزوجا لأكون طفلتهما الأولى والحفيدة الأولى أيضا للعائلة كلها.

هل الحصول على فرص تعليم جيدة أمر سهل في فلسطين؟

نشأت في عائلة تدفع كل ما تملك من أجل تعليم أبنائها، عمل أبي في الزراعة وفي الشرطة الفلسطينية وفي كثير من الأعمال ليجمع المصروف اللازم للعائلة الكبيرة التي كان مسؤولا عنها من أعمام وعمات إضافة إلى مصاريف تعليمي، لم يكن لدينا أي أملاك ولكن التعليم كان دافعا كبيرا لنا كي نحسن من أنفسنا.

لم يكن أبي وحده من يحلم بتعليم أبنائه تعليما جيدا، الجميع في فلسطين يعرف أن التعليم هو مخرجنا الوحيد، لذا يدفع الفلسطينيون ما وراءهم وما أمامهم (كل ما يملكون) لكي يُلحقوا أبناءهم بأفضل الجامعات.

هل شاركتِ في انتفاضات فلسطين؟

جاءت انتفاضة فلسطين الأولى عام 1987 وكان عمري 13 سنة، شكلت لي هذه الانتفاضة بداية وعي بالقضية الفلسطينية، وعمّقت لديّ مفهوم الهوية وكونت خبرتي الأولى بالمصطلحات والمفاهيم السياسية.

كنت أمشي مع أبي في شوارع بلدة خان يونس وأقرأ المصطلحات الكبيرة المكتوبة على جدران البيوت، ويفسرها لي أبي، وقد نشأ الوعي السياسي والوطني لديّ منذ ذلك الوقت.

كنا نشارك في بداية حياتنا في جميع أحداث فلسطين حتى وإن لم يتشكل وعينا بالقضية بشكل كامل، ففي انتفاضة 87 كنا نخرج من المدارس مضربين ونهتف باسم فلسطين، وباسم الأسرى وبحق العودة.

خلال هذه الانتفاضة كنا نتعلم في الحقول لأنهم أغلقوا المدارس، بسبب منع التجول، والذي وصل أحيانا حتى 40 يوما كاملة. وكانوا يفتحون لنا فقط يوما واحدا من أجل التسوق وإحضار الطعام. كانت أيام صعبة ولكنني أتذكرها بكل حب وانتماء واستمتع بهذه الذكريات الآن بالرغم من كل شيء.

من كان يجيب عن تساؤلاتكم المحيرة كأطفال لبلد محتل؟

الآباء هم من يجيبون عن أسئلتنا بالتأكيد، بالنسبة لي فقد كان لديّ الكثير من التساؤلات بعد مشاركتي في الانتفاضة الأولى، وكان أبي يحكي لنا عن القدس والتهجير وماذا حدث في حرب 1967، ويحكي لنا التاريخ من واقع ما رآه بنفسه، ويقرأ لنا الآيات القرآنية والأحاديث القدسية وأحاديث الرسول -عليه الصلاة والسلام- عن فلسطين والقدس.

بالرغم من أن أبي حاصل على شهادة الثانوية العامة فقط، فإنه شخص مثقف للغاية كحال كل الآباء والشباب في فلسطين، وقد كانت أمي أيضا من الفلسطينيات المناضلات ضد الاحتلال.

لماذا اخترت مجال الصحة النفسية لدراستك؟

كانت احتياجاتي وأنا طفلة صغيرة السبب في اختياري هذا المجال، اخترت استكمال دراستي في مجال علم النفس التعليمي والصحة النفسية للتلاميذ والأطفال لأنه كان ما زال بداخلي ذكريات الطفولة المؤلمة وكنت بحاجة إلى الدعم النفسي، ولكن أهلى لم يكونوا بالوعي الكافي لتقديم ذلك لي في ذاك الوقت.

اخترت هذا المجال لكي أقوم بتوعية أهالي الأطفال ممن بحاجة إلى فهم احتياجاتهم وتلبيتها لهم وقت المحن والشدائد وخصوصا أثناء الحروب.

كيف يخدم مجال تخصصك أبناء بلدك؟

انتقلت من غزة إلى القاهرة لاستكمال دراسة الماجستير عبر منحة دراسية، في موضوع تدريب الأطفال الفلسطينيين على الاستجابات الإيجابية خلال اعتداءات الاحتلال عبر السيكودراما (علاج يمزج علم النفس بالدراما). وقد حصلت على درجة الماجستير في العلاج بالسيكودراما بامتياز مع مرتبة الشرف في عام 2008. وتخصصت في هذا المجال وتكونت لديّ خبرة كبيرة فيه، واحترفت العمل مع الأطفال ممن تعرضوا لآثار العدوان سواء ممن استشهد أحد أبويهم أو كلاهما أو من تم اعتقاله أو تدمير منزله.

فنيات السيكودراما من الفنيات النفسية ذات الأثر الإيجابي لرفع الروح المعنوية للأطفال وتعليمهم الاستجابات الإيجابية إزاء كل ما يدور من عدوان عليهم وعلى بيوتهم وأهاليهم.

بعد الماجستير سجلت منحة الدكتوراه وكان موضوعها نقلة نوعية أخرى بالنسبة لي في مجال الدعم النفسي، فقد كانت في تنمية مهارات الذكاء الوجداني وأثرها على أحادية الرؤية لدى مجموعة من المراهقين الفلسطينيين في قطاع غزة.

الذكاء الوجداني للمشاعر مهم جدا في الحياة الفلسطينية، فهو مفيد لمن يمر بأزمات كبيرة تضر بمشاعره فتجعله منفتحا أو منغلقا على نفسه فكريا. ويتم استخدام مهارات الذكاء الوجداني مثل المرونة النفسية وتنمية الوعي الذاتي والدافعية مع الأطفال لتخليصهم من أحادية الرؤية. وقد قمت باستخدام تلك الفنيات التي تعلمتها مع المراهقين الفلسطينيين وحصلت على الدكتوراه بمرتبة الشرف في عام 2011.

كيف تساندين الأهل في غزة في الوقت الحالي وأنت تقيمين بعيدا عن الوطن؟

بالرغم من إقامتي في القاهرة خلال حرب 2008 وحرب 2012 على غزة، فإنني أسهمت في تقديم الدعم النفسي في المستشفيات المصرية للقادمين من غزة.

وبعد الانتهاء من دراسة الدكتوراه عدت إلى غزة، وحاولت تقديم كل ما تعلمته لأبناء وطني، فعملت مشرفة تربوية في جامعة الأقصى وبدأت في تطبيق ما تعلمته من خلال الجامعات والمدارس والجمعيات الأهلية.

وفي عام 2013، اصطحبت مجموعة من أبناء الشهداء تراوح عمرهم ذلك الوقت بين 9 و13 عاما من غزة إلى مصر، في مخيم صيفي للدعم النفسي نظمه مركز تواصل للتدريب والاستشارات في القاهرة، وتم تقديم الدعم النفسي لهؤلاء الأطفال من خلال السيكودراما. وقد استفادوا كثيرا على المستوى الشخصي.

وتلامذتي في كل مكان يتواصلون معي عبر وسائل التواصل الاجتماعي وهذا شرف لي ولأهلي.

وفي عام 2015، تزوجت وسافرت إلى الدانمارك ولم يكن قرارا سهلا لولا معرفتي أنه يمكنني حمل قضيتي معي أينما ذهبت.

وأضافت وفاء، أنا سفيرة وطني في أي مكان أذهب إليه، ولو لم أكن فلسطينية لم أكن بهذا الثراء وهذا العطاء الذي بداخلي، والذي أريد تقديمه لجميع من يعاني في فلسطين.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

ملتحفة كوفيتها التي لا تفارقها كلما تعلق الأمر بفلسطين؛ ترافع النائبة البريطانية من أصل فلسطيني ليلى موارن بخطب قوية تلقيها أمام مسؤولي الحكومة البريطانية وتحملهم مسؤولية ما يتعرض له الأبرياء بفلسطين.

Published On 22/5/2021
المزيد من مرأة
الأكثر قراءة