الخلوة الأولى.. هكذا تزف الفتيات في الجزائر قبل بلوغ السنتين

الاحتفاء بالمولودة الأنثى كما الذكر -إن لم يكن أكثر- عند فئة كبيرة من الجزائريين ممن يتباهون بالعادات التي تكرم الفتاة

في حفل الحمام الأول للفتاة، توزع على المدعوات هدايا رمزية تتمثل في أدوات الاستحمام (الجزيرة)
في حفل الحمام الأول للفتاة، توزع على المدعوات هدايا رمزية تتمثل في أدوات الاستحمام (الجزيرة)

يقول المثل الشعبي في الشرق الجزائري "بو لبنات مرزوق" أي "لأب البنات رزق" وهي المقولة التي تجعل بعض العائلات تتمسك بالاحتفاء بالمولودة الأنثى كما الذكر، إن لم يكن أكثر منه، عند فئة كبيرة من الجزائريين ممن يتباهون بالعادات التي تكرم الفتاة.

في وسط مدينة عنابة 600 كلم شرق العاصمة الجزائرية، تتجمع نساء إحدى العائلات العريقة بالمدينة، متزينات باللباس التقليدي، يسرن بين عضوات إحدى الفرق الغنائية النسائية، تتقدمهن امرأة تحمل فتاة لا يتجاوز عمرها السنتين بلباس تقليدي لافت.

احتفالية الحمام

لا يمكن للمار من الشارع الذي يوجد به "الحمام" العثماني التقليدي المعروف في الجزائر، أن يتجاهل المشهد الذي يعيد الناظر إليه، لعشرات السنين إلى الوراء لمكان احتفاء النسوة بالاستحمام الأول للفتاة وتسمى هذه العادة لدى البعض بـ"الخلوة الأولى".

و"الخلوة الأولى" أو ما يعرف في مدينة عنابة بـ"حمام الملايكة" (حمام الملائكة) أو كما تطلق عليه عائلات أخرى "الحمام الأول"، هي احتفالية تقليدية تقوم بها عائلة الفتاة التي لا تتجاوز السنتين من عمرها، يتم من خلالها دعوة نساء العائلة وصديقاتها لـ"الحمام" الذي ستقام فيه الاحتفالية.

يتم تحميم الفتاة في الحمام العثماني وسط زغاريد الحاضرات (الجزيرة)

الأنثى رزق

تقول الماشطة (المزينة الخبيرة) حورية هاشمي راشدي التي تستفيد العائلات بمدينة عنابة من اطلاعها على العادات والتقاليد بالمدينة، فتنظم لهم الاحتفالية وتطلعهم على ما "تسمح به العادة وما تمنعه"، إن "الحمام الأول هو حق البنت على عائلتها إن كانت مقتدرة".

وتضيف حورية للجزيرة نت "الأصل في هذه العادة هي أن تفخر العائلة بالمولودة الأنثى عكس تشاؤم البعض منها"، وتواصل المتحدثة "تقوم النسوة بإلباس الفتاة التي لم تتجاوز السنتين ما يعرف بـ"الفوطة" وهي لبس خاص بـ"الحمام".

كما يتم إحضار أدوات الحنة والاستحمام وأغراض الحفل، وعند الوصول لمدخل الحمام الذي سيشهد الحفل، تبدأ الفرقة الموسيقية بترديد المدائح الدينية والأغنيات التقليدية وسط زغاريد النسوة المدعوات لـ"الخلوة الأولى".

ويتم إدخال الفتاة التي أقيم الحفل على شرفها، إلى قاعة الاستحمام ويكسر على رأسها بيضة -تقول الخبيرة حورية- وسط فتيات العائلة الصغيرات اللاتي يتكفلن بحمل الشموع، وحسب المتحدثة فإن كسر البيضة يرمز للخروج من مرحلة نحو أخرى.

الفرق الغنائية التقليدية تعد أحد أعمدة الاحتفاليات التقليدية بمدينة عنابة (الجزيرة)

عادات وطقوس

تشرف أم الفتاة على تحميمها، كما تستحم جميع النسوة المدعوات وسط الزغاريد ويتم فتح "جهاز الفتاة" الذي يتضمن "الفوطة والقبقاب وأدوات الاستحمام"، كما توزع الأم على الفتيات الصغيرات من المدعوات هدايا رمزية لها علاقة بالمناسبة التقليدية.

وتقول العادة إنه يتم تعطير "الحمام" بالبخور والعطور وفرشه بالحلوى، كما تعمل بعض الأسر على وضع الحنة للفتاة ويتم إهداؤها خلخال ذهبي إلى جانب سلسال يحمل شارة "كف اليد" إلى جانب "سلسال ذهبي يحمل شارة "السمكة".

وتقول العادة إن الخلخال وسلسال "كف اليد" وأيضا "السمكة" تمنع من العين والحسد، فتردد النسوة في بعض هذه الاحتفاليات جملة "حوتة تروح وحوتة تجي" ويقصدن بها "صد الأرواح الشريرة عن الفتاة بحسب الموروث الشعبي.

توزع على المدعوات هدايا رمزية تتمثل في أدوات الاستحمام (الجزيرة)

الاحتفاء بالأنثى

تشير حورية هاشمي راشدي "هذه العادة مثل العقيقة عند الذكر، حيث تتم فيها الذبيحة ويوزع الأكل على القريبات والجيران كهدية وصدقة؛ فرحة بالفتاة واعتبارها "رزقا".

ويتم إحضار الغداء للمدعوات في قاعة الجلوس بـ"الحمام"، وترفق بالشاي ومختلف الحلويات التقليدية والعصرية وتلتقط النسوة صورا مع الفتاة لتبقى ذكرى لها حين تكبر.

من جهتها، تقول المصورة الفوتوغرافية زينة كانون دمبري للجزيرة نت "لا تزال الكثير من العائلات الجزائرية تتمسك بهذه العادة، حتى أنها عادت بقوة خلال السنوات الخمس الأخيرة".

وتردد فرقة "صورية" للفقيرات مختلف المدائح وتختتم الجلسة بتراتيل التسبيح والصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم، وترى العائلات المتمسكة بهذه العادة أنها لا تمارس إلا السعادة احتفاء بالأنثى لإعطائها قيمتها منذ نعومة أظافرها "كي تعز نفسها وتفتخر بكونها امرأة حين تكبر".

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من مرأة
الأكثر قراءة