جرأة مصريّات في تصوير وقائع التحرش.. تغير ثقافة أم كيلٌ فاض؟

ميزة التوثيق والإبلاغ الفوري عن التحرش تيسر القبض على المتحرشين وتعتبر رادعا مهما لمن يفكر بالقيام بهذه الفعلة

قدرة الفتاة على الرد بسرعة على المتحرش نقطة فاصلة في معاناتها بعد حادث التحرش بها (بيكسلز)
قدرة الفتاة على الرد بسرعة على المتحرش نقطة فاصلة في معاناتها بعد حادث التحرش بها (بيكسلز)

"رد فعل الناس كان صادما لي أكثر مما فعله المتحرش". هكذا عبرت دعاء أحمد -صاحبة الفيديو الشهير الذي صور شابا يتحرش بفتاة داخل أحد الحافلات- عن غضبها الشديد؛ لأن الركاب أسهموا في هروب الجاني بسبب مطالبتهم بأن تستر عليه.

وأكدت دعاء -في تصريحات صحفية- أن زوجها شجعها على نشر الفيديو، وكان في طريقه لعمل بلاغ في قسم الشرطة، ولكن أخبروهم بأنه لا بد من تحديد شخصية الفاعل كي يأخذ البلاغ مجراه.

إن حالة دعاء -وتجاوب زوجها- تمثل تغيرا جذريا في طريقة تعامل بعض المصريات وأهلهن عند التعرض لحالات التحرش؛ حتى وصلت نسبة من تعرضن لصورة ما من التحرش إلى 99% من النساء المصريات، وذلك حسب دراسة أجرتها هيئة الأمم المتحدة للمساواة بين الجنسين وتمكين المرأة، كما ورد في الموقع المصري "اليوم السابع".

وقد رصد موقع الجزيرة نت أشهر هذه الحالات، مع محاولة الوقوف على الأسباب التي أنطقت بعض المصريات للإفصاح عن حالات التحرش، بعد أن كن يكتمن الأمر خوفا من نظرة الناس لهن، وخاصة أن هناك قطاعا لا يستهان به من المصريين يُحمّل النساء مسؤولية التحرش بسبب ملابسهن، أو غير ذلك، وكذلك محاولة معرفة إن كانت زيادة حالات تصوير وقائع التحرش من قبل فتيات وسيدات ونشرها تعد تغير ثقافة أم كيلٌ فاض؟

تتعرض الفتيات والسيدات للتحرش في الأماكن العامة والتجمعات (الجزيرة)

جرأة التصوير والنشر

حالة من الدهشة والاستنكار ملأت مواقع التواصل الاجتماعي بعد انتشار فيديو يصور قبض المواطنين على شاب ثلاثيني -عُرف فيما بعد أنه معيد بكلية الطب- بسبب ارتكابه فعلا فاضحا (ممارسة العادة السرية) أمام طالبة (19 عاما) تجلس على مقعد مجاور له في أحد سيارات الأجرة بمحافظة الشرقية.

فراحت الفتاة تستغيث بالركاب والمارة بعد أن سارع بالنزول من سيارة الأجرة، وأصرت على تقديمه للشرطة فأمسكوا به وانهالوا عليه بالضرب حتى جاءت الشرطة وقبضت عليه وقُدّم للمحاكمة، حيث عوقب بالسجن عاما واحدا مع إيقاف تنفيذ الحكم لمدة 3 سنوات وألزمته المحكمة بالمصاريف الجنائية.

فعل مشابه قام به شاب بإحدى المناطق في الإسكندرية أمام فتاة عشرينية اسمها "ميرنا" والتي قامت بتصويره وتوثيق ما فعل ونشرت الفيديو على مواقع التواصل قائلة "محدش يقولي (لا أحد يقول لي) مريض نفسي"؛ لتقطع الطريق أمام من يبررون فعلة الشاب أو التعاطف معه.

تحرش بدراجة نارية

وروت دينا فخري كيف أنها أصرت على مطاردة شاب تحرش بها وهو راكب على دراجته النارية بلمس أجزاء من جسدها، وعند اللحاق به أمسكت برقبته صارخة أنها لن تتركه إلا في قسم الشرطة.

لكن الشاب نجح في الهرب تاركا دراجته، بعد أن توسل المارة لها لتتركه حفاظا على سمعة أسرته، فظلت بجوار الدراجة إلى أن جاءت الشرطة التي نجحت في القبض عليه بعد ساعتين، على حد وصف دينا فخري في تصريحات صحفية.

وقالت دينا "ماتسكوتيش عن حقك.. (لا تسكت عن حقك) هذه هي الرسالة التي يجب أن تصل لعقل كل فتاة مصرية تتعرض للتحرش، ويجبرها المجتمع على الصمت، فزمن السكوت انتهى، الدين بيقول غض البصر مش اهتك عرض البنات".

خطيب فتاة يفضح متحرشا بها

حالة من الجدل بين رواد مواقع التواصل الاجتماعي الذي نشر أحد الشباب عليه مقطع فيديو يوثق تعرض خطيبته للتحرش بإحدى عربات مترو الأنفاق، ويظهر فيه شاب يقوم بفعل خادش للحياء أمام الفتاة.

ولم يكتف الشاب بنشر فيديو التحرش بخطيبته؛ بل قام بمداخلات هاتفية على قنوات فضائية مصرية يشرح فيها ما قام به الشاب المتحرش، وكيف أنه كان صاحب فكرة تصويره من خلال نصح خطيبته التي أخبرته بما يجري على تطبيق "واتس آب" بضرورة توثيق الواقعة ونشرها؛ لفضحه.

ثورة التعامل مع التحرش

الشجاعة المذهلة التي أبداها الشاب خطيب الفتاة تشير بوضوح إلى ما يمكن أن نسميه "ثورة في التعامل مع حالات التحرش"، هكذا قالت أستاذة علم الاجتماع الدكتورة هالة منصور.

وأضافت -في حوارها مع الجزيرة نت- أن سلوك الشاب يمثل انقلابا في رؤية ذوي اللواتي تعرضن للتحرش، ففي وقت قريب للغاية كان الأهل أو الأزواج ينصحون الفتيات بالسكوت خوفا من تعرضهم للقيل والقال، وفي أحيان كثيرة كانت الفتيات يخشين إخبار ذويهن إيثارا للسلامة.

وأشارت منصور إلى تزايد توثيق حالات التحرش مؤخرا ونشرها على مواقع التواصل الاجتماعي، وأن كل حالة تنشر تشجع أخريات في كشف ما حدث لهن؛ حتى لو كان منذ فترة، لكن ميزة التوثيق والإبلاغ الفوري تتمثل في تيسير القبض على المتحرشين، وتعتبر رادعا مهما لمن يفكر بالقيام بهذه الفعلة.

عند تعرض الفتاة للتحرش تصاب بالصدمة وتعتريها عدة مشاعر مفاجئة ومتعاقبة كالرعب والتوتر والعجز (بيكسلز)

نقطة فاصلة

بينما يوضح استشاري ومختص طب النفس والمخ والأعصاب أحمد مهدي النقطة الفاصلة بين عجز الفتاة أو قدرتها على الرد على المتحرش وتوثيق الحادث، فبمجرد تعرضها للتحرش تصاب بالصدمة وتعتريها عدة مشاعر مفاجئة ومتعاقبة كالرعب والتوتر والعجز والإحساس بالظلم.

وتختلف ردود الفعل -يقول مهدي للجزيرة نت- حسب قدرة الفتاة أو السيدة المتعرضة للتحرش بالتغلب على هذه المشاعر والتعامل معها بسرعة، مشيرا إلى أن من يستطعن الرد على المتحرش يكن أقل تعرضا لتجدد الشعور بالصدمة كلما رأين حادثا مشابها أو قرأن عنه.

فكل من لم تستطع اتخاذ إجراء ضد المتحرش تمر بمرحلة نسميها في علم النفس "مرحلة ما بعد الصدمة"، حيث تعتريها مشاعر الظلم والقهر، وتدخل في حالة مؤلمة من جلد الذات ولومها على عدم دفاعها عن نفسها أو القدرة على اتخاذ فعل إيجابي، على حد قول مهدي.

من يستطعن الرد على المتحرش يكنّ أقل تعرضا لتجدد الشعور بالصدمة كلما رأين حادثا مشابها أو قرأن عنه (الجزيرة)

هنا الزاهد ورانيا يوسف

ويمثل تفاعل رواد مواقع التواصل الاجتماعي مع نشر فنانات فيديوهات أو منشورات -يتحدثن فيها عن تعرضهن للتحرش- الحالةَ المقابلة للتعاطف مع الفتيات اللواتي يَفضحن المتحرشين.

فالفنانة المصرية "هنا الزاهد" نشرت مقطع فيديو توثق فيه تعرضها للتحرش من شباب في الشارع.

وقد أمطرها المتابعون بوابل من التعليقات التي تلومها على ملابسها الكاشفة لأجزاء من جسدها، وأنها التي تستفز المشاعر بملابسها تلك، بل طالب بعضهم بمعاقبة السيدات والفتيات اللائي يلبسن ملابس تظهر أكثر مما تستر.

والأمر نفسه حدث مع الممثلة المثيرة للجدل "رانيا يوسف" بعد أن نشرت صورا لشباب على حسابها على تويتر، وقالت إنهم تحرشوا بها عبر رسائل على مواقع التواصل الاجتماعي، وكتبت أنها اكتفت بنشر صورهم وأسمائهم وستحتفظ بالرسائل لما فيها من ألفاظ خادشة للحياء، وستقدمها لمباحث الإنترنت على صورة بلاغ ضدهم.

وواجهت الفنانة هجوما كبيرا في التعليق على ما نشرته، ومعظم التعليقات تتهمها بأنها التي تثير الشباب بملابسها الكاشفة وفيديوهاتها الفاضحة، على حد قولهم.

على جانب آخر اتفق معظم المواطنين -الذين التقتهم الجزيرة نت- على صحة فضح وتصوير المتحرش؛ كي يأخذ عقابه، وضرورة تعاون الرجال الموجودين بأي مكان يحدث فيه تحرش، والقبض على مرتكب الفعلة دون تعاطف أو التماس أعذار.

وطالبوا بضرورة تغليظ العقوبة على المتحرش بشكل رادع لكل من تسول له نفسه ارتكاب تلك الفعلة الكريهة، وقد نصح البعض الفتيات بضرورة عدم ارتداء ملابس تلفت إليها النظر، ليكون ذلك نوعا من الوقاية التي هي خير من العلاج، حسب وصفهم.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من قضايا المرأة
الأكثر قراءة