رمضان الأصعب على أم عاصف البرغوثي.. حين يغيب الزوج والأبناء عن مائدة الإفطار والعيد

تملأ صور زوجها وأبنائها البيت.. تجلس أم عاصف وتسلي نفسها بالنظر إلى الأحباء الغائبين.. وتروي كيف حاول الاحتلال مرارا كسر صمودها

رام الله-كوبر-قضت أم عاصف البرغوثي 30رمضانا بدون زوجها، وستقضي رمضان هذا بدونه إلى الأبد-تصوير جمان أبوعرفة-الجزيرة نت
أم عاصف البرغوثي قضت رمضان 30 عاما دون زوجها، وستقضي رمضان هذا العام وما بعده دونه إلى الأبد عقب وفاته بكورونا (الجزيرة)

"أنا بشر من لحم ودم، أحزن بالتأكيد، لكنني أحرص أن لا تنزل دمعتي أمام من حولي كي لا يضعفوا، تنزل دمعتي فقط عندما أختلي بنفسي على وسادتي التي شهدت دموعي والتي لم ولن أغيرها يوما".

هذا ما قالته سهير البرغوثي "أم عاصف" (61عاما) وهي تنظر إلى زوايا بيتها نصف المهدوم في قرية كوبر شمال غرب رام الله، وتتلمس فيه ذكريات أبنائها وزوجها، الذين ستقضي رمضان من دونهم.

لم يكن رمضان الأول الذي يغيب فيه أحبابها، لكنه "الأصعب" كما قالت للجزيرة نت -التي زارتها في الشهر الفضيل- فقد قضت رمضان 30 عاما بالتمام دون زوجها القيادي والأسير عمر البرغوثي أبو عاصف (67 عاما) أثناء أسره، وستكمل برمضان الجاري 31 عاما من دونه بعد وفاته في 25 مارس/آذار الماضي متأثرا بإصابته بفيروس كورونا.

رام الله-كوبر-تقول أم عاصف البرغوثي إن الفراق صعب، لكن سلعة الله غالية-تصوير جمان أبوعرفة-الجزيرة نتأم عاصف البرغوثي تقول إن الفراق صعب، لكن جنة الله غالية وأنا صابرة (الجزيرة)

3 أطباق فارغة

كانت تواسي نفسها سابقا بأن زوجها في السجن وسيعود يوما ما، لكنها فقدته بعد أن فقدت ابنها الشهيد صالح البرغوثي الذي اغتاله الاحتلال الإسرائيلي في 12 ديسمبر/كانون الأول عام 2018، واليوم تواسي نفسها بلقاء ابنها عاصم البرغوثي الذي اعتُقل في مطلع عام 2019 وحكم بالسجن المؤبد 4 مرات.

طال الاعتقال جميع أبناء أم عاصف الذكور الأربعة، الذين شابهوا والدهم، وعمهم الأسير نائل البرغوثي الذي قضى أكثر من 40 عاما في سجون الاحتلال، كما طالها الاعتقال أيضا أثناء مطاردة ابنها عاصم، ثم شهدت عام 2019 على هدم بيت ابنيها صالح وعاصم.

تستخدم داخيلة فقط - - - رام الله-كوبر-إلى جانب زوج أم عاصف البرغوثي يغيب ابنيها عاصم وصالح عن مائدة الإفطار في شهر رمضان-تصوير جمان أبوعرفة-الجزيرة نتإلى جانب وفاة زوج أم عاصف البرغوثي يغيب ابناها عاصم وصالح عن مائدة الإفطار في شهر رمضان (الجزيرة)

جدول إفطار ممتلئ

تقضي أم عاصف رمضانها هذا مع عائلة ابنها البكر عاصف وابنها الأصغر محمد، ولا يدعها أقاربها وأحبابها تفطر وحدها، حيث تسابق الجميع لدعوتها إلى الإفطار، حتى امتلأت أيام الشهر جميعا بالدعوات المسبقة. وتعلّق ممتنة "قبل وفاة أبو عاصف كنا نُدعى نصف أيام رمضان، ومع ظرفي الحالي لم أُترك وحدي أبدا".

وتضيف "وجود الناس حولي يخفف عني كثيرا، حتى إذا ما خلوت بنفسي اجتاحتني الذكريات، فقد كان أبو عاصف لي زوجا وأخا وحبيبا وصديقا، كان حُبنا متجددا متوقدا يزداد مع كل أسر، وعندما خرج من الأسر لم يكن يفارقني أبدا، وإن قال له أحدهم أنت جبل، ردّ عليه زوجتي سلسلة جبال".

تبدو أم عاصف قوية لكل من قابلها، وتقول عن نفسها إنها شخصية مرحة لا تحب الحزن وتبحث عن الجانب المشرق في كل أمر. وتضيف "لا أحد يعتاد الألم، لكن ما يواسيني أنني أحتسب إلى الله، ويجب أن أصبر لأنال الجنة".

تقف على شرفة منزل الشهيد صالح المدمرة، تنظر إلى قرية كوبر قبل المغيب، وتستذكر عمرا طويلا مع زوجها عمر، الذي بدأ في عمر الـ17 ومضى معظمه في زيارات السجن وتربية الأبناء والصبر على الابتلاء، حيث اعتقل أبو عاصف بعد زواجهما بعام ونصف العام لمدة 8 سنوات، وتكررت بعدها الاعتقالات وطالت، وسُجن ابنها عاصم 11 عاما في عمر الـ18.

رام الله-كوبر-أم عاصف البرغوثي في منزلها شبه المهدوم الذي هدم بعد استشهاد ابنها صالح-تصوير جمان أبوعرفة-الجزيرة نتأم عاصف البرغوثي في منزلها في كوبر- رام الله شبه المهدوم والذي هدمه الاحتلال بعد استشهاد ابنها صالح (الجزيرة)

صبر وصمود

تملأ صور زوجها وأبنائها البيت، والتي قدمها أبناء القرية والقرى المجاورة تعبيرا عن تقديرهم لعائلة البرغوثي، تجلس أم عاصف وتسلي نفسها بالنظر إلى الأحباء الغائبين، وتروي كيف حاول الاحتلال مرارا كسر صمودها وإحزانها، فتقول إنها بنت بيتا لعاصم ليسكنه بعد زواجه، وبذلت فيه الغالي والنفيس، حتى غدا من أجمل بيوت القرية، لكن الاحتلال هدمه بعد اعتقال عاصم للمرة الثانية. وتقول "هل تصدقون، على الرغم من التعب الذي بذلته في بيت عاصم، فإنهم حين هدموه لم أتأثر وكأنه ليس لنا".

وتروي موقفا من عشرات المواقف التي واجهت فيها ضباط الاحتلال.. "جاء أحدهم إلى البيت بعد اعتقال زوجي وابني وقتل ابني صالح، وطلب أن يشرب القهوة عندي فقلت له إن قهوتي لا يشربها إلا الضيوف والأجاويد، فصب لنفسه فنجان قهوة وهمّ أن يشربها فنهرته ومنعته، ثم حاول أن يريني مقطعا مصورا لهدم بيت عاصم، فقلت له بالحرف "هذا الفيديو لك لكي تشاهده وتستذكر كيف قتل ابني جنودكم وداس على رؤوسهم"، في إشارة إلى العملية التي نفذها عاصم انتقاما لاستشهاد شقيقه.

عند الإفطار، ترفع أم عاصف يديها بالدعاء "اللهم فرج كربنا وعوضنا خيرا، ورد إلينا عاصم سالما غانما وكل أسرى فلسطين والمسلمين، اللهم ثبتنا ولا تفتنا، واجمعني بزوجي وابني في الفردوس الأعلى يا رب العالمين".

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من رمضان 2021
الأكثر قراءة