انتظار حسن.. عراقية رفضها مجتمعها بسبب قصر قامتها فتحدته بنجاحاتها

صور الناشطة انتظار على مسرح نقابة الفنانين في البصرة وهي تستعد لاداء احد العروض المسرحية
انتظار أسهمت بدعم فئات مختلفة من مجتمعها صحيا ونفسيا (الجزيرة)

أبحرت الشابة العراقية انتظار حسن في ميدان الخدمة وعملت بصمت وقدمت الكثير لمجتمعها، فدعمت الأيتام والمعاقين ووفرت الدواء للمحتاجين، عالجت قضايا المجتمع من خلال المسرح ودعمت الأطفال الذين يتعرضون للعنف الأسري.

كما صدح صوتها في الاحتجاجات، وطالبت بحرية المرأة ونشر السلام والتمكين الاقتصادي لأبناء مجتمعها، وأسهمت في توزيع أكثر من 4 آلاف سلة غذائية في حملات تطوعية خلال تفشي جائحة كورونا.

انتظار (27 عاما) من قصار القامة وناشطة عملت في منظمات مجتمع مدني، وحملات تطوعية، فقدمت الدعم إلى أطفال متلازمة داون، لم يُعِقها قصر قامتها عن تحقيق طموحاتها والعمل في تقديم المساعدة إلى الآخرين.

منذ صغرها واجهت العنف الأسري وكادت أن تفقد الرعاية الأبوية. واجهت التنمر بكل قسوة من المجتمع، إصرارها في مواجهة التحديات جعلها تمضي قدما في تحقيق أهدافها.

تقول انتظار إن "النجاح الكبير هو التغلب على ظروف الحياة بسلبياتها وإيجابياتها، وصنع المستحيل من كل عثرة، هو أن تثبت نفسك وذاتك بطريق الحق، نجاحي لا يتوقف أبدا، فأنا كل يوم لي طموح وأهداف كبيرة وكثيرة، سأستمر في الوصول لها".

تميزت على أقرانها في اختلافها المميز، لا تتطابق مع الآخرين، تختلف رؤيتها في التقدم والازدهار، إنسانيتها تجعل منها محبة لمجتمعها، تعمل جاهدة من أجل إيصال رسائل التفاؤل بالحياة، عملها في تقديم العروض المسرحية المدرسية جعلها تكرس وقتها في بناء شخصية الأطفال.

انتظار عراقية رفضها مجتمعها بسبب قصر قامتها ولكنها انتصرتانتظار تعتبر المتنمرين أصحاب فضل عليها لأنهم يزيدون تحديها لهم والمضي قدما لتحقيق طموحاتها (الجزيرة)

مسيرة التنمر

واجهت انتظار المتنمرين بشجاعة ساعية إلى تحقيق نجاحاتها، وكانت تعتبرهم أصحاب فضل، لأنهم يزيدون من تحديها لهم. تُعرّف الناشطة انتظار المتنمر بأنه "شخص يوجد بداخله كل أنواع الكره والحقد وعدم الرضا عن نفسه، بداخله نقص غير رباني ومن صنع نفسه، غير مكتمل، ويحاول أن يعوضه بإيذاء من هم أضعف منه، لأنه في داخله يحاول أن يشتت الطمأنينة التي بداخل قلوبهم، ولكنه لا يعلم أنه هو الضعيف ونسي أن الذي صوّره صوّر غيره من البشر والحيوان والنبات أيضا، فلكل وردة رحيقها وعطرها الخاص".

علاقاتها مع أطباء وصيادلة أثرت بشكل إيجابي على العوائل الفقيرة والمتعففة وذات الدخل المحدود، نسقت مع أطباء في تخصصات دقيقة مختلفة من أجل عرض الحالات المرضية بالمجان، كما نسقت مع صيادلة لصرف الوصفات العلاجية، وتخصص وقتها للدعم النفسي للأطفال المصابين بالسرطان.

تهتم انتظار في عملها التطوعي بدعم الفتيات القاصرات من خلال إظهار مواهبهن في الرسم والشعر، وتقديم التدريبات التنموية في بناء قدراتهن والثقة بالنفس، وتقديم العروض المسرحية الهادفة لرفع الوعي لدى الفتيات.

تقول إن "المسرح عالم كبير بالنسبة لي وأنحني خجلا، لأنني لا أستطيع وصفه لشدة عشقي له، ولكن باختصار مهم وبسيط المسرح رسالة إنسانية عظيمة في كل لحظة من حياتي، كانت غايتي إيصال رسالة من خلاله والاستمرار بمعالجة الأشياء التي لا أستطيع إيصالها في الحياة، ولكنني سأوصلها من خلال المسرح".

الناشطة انتظار وهي تقوم بدعم الفتيات القاصرات من خلال التثقيف على اكمال الدراسة والدعم النفسي واعطاء تدريبات في التنمية البشريةقصر قامة انتظار لم يعقها عن مواصلة نشاطاتها الإنسانية (الجزيرة)

تحديات جمة

قصر قامتها لم يعقها عن مواصلة جدول نشاطاتها الإنسانية رغم كثرة كلمات التنمر على طولها، ولا تشعر بالنقص لثقتها العالية بنفسها.

تتابع انتظار "كنت دائما المحبوبة والجميلة عند الكثير من الأصدقاء، وحتى عند الكثير الذين لم أكن أعرفهم، وكنت دائما أتحدى العالم والمجتمع والمتنمرين بنجاحاتي". وتضيف "كنت وما زلت أبذل الجهد من أجل نفسي، لأنني أشعر في يوم من الأيام سأكون مثالا جيدا لكثير من النساء".

أصعب ما تواجهه انتظار هو عدم الحصول على فرصة مناسبة في ظل تحديات جائحة كورونا، لتلبية احتياجات العائلة، إذ تعيل أهلها في بعض الأحيان، وتواجه ندرة في الفرص المناسبة لها للعمل حالها حال قريناتها من النساء اللائي يقفن في طوابير البطالة، لكن قصر قامتها سبب آخر لعدم توظيفها.

تقول إن "قصر القامة بالنسبة لي هو ميزة جميلة حقا، لأنها تشعرني بطفولتي مهما كبرت ولأنها جعلتني امتاز بها عن غيري، ولا يستطيع نسياني كل من يراني، المشاكل التي واجهتُها هي التنمر، وعدم إنصاف المجتمع، والتمييز المستمر وعدم مراعاة الظروف، وانتهاك أبسط الحقوق إن كانت بالسر أو العلن، لأنهم يتوقعون أنفسهم الأقوى، لكنني سأنجح بالتغلب عليهم دائما وإن كانوا يرونني قصيرة قامة فأنا أراهم قصار بصر".

تسهم انتظار في دعم أصحاب متلازمة داون والمعاقين وتقدم لهم الدعم المعنوي، وتشارك مع حملات تطوعية ومنظمات إنسانية في احتوائهم واحتضانهم، وتستمع لهم ولطموحاتهم وتساعدهم في تحقيق أهدافهم، لا تميزهم عن غيرهم في الجوانب السلبية أو الإيجابية، تقول انتظار "لا يوجد شخص معاق، بل توجد بيئة معيقة".

رسالتها الإنسانية في خدمة مجتمعها من أجل بناء السلام والتعايش جعلها تتصدى لمواجهة خطاب الكراهية في مختلف الوسائل سواء أكانت عن طريق التواصل الاجتماعي أم في مؤتمرات.

تقول انتظار إن "خطاب الكراهية هو عُقدة يعاني منها بعض الأشخاص حيث يوجهون الكلام السيئ للمقابل أو التقليل من شأنه لسد النقص الذي في داخلهم، ونراهم دائما يؤيدون التحريض بالألفاظ البذيئة والكره والعدوانية".

وأسهمت انتظار بدعم طبقات مختلفة من مجتمعها صحيا ونفسيا، وانتصرت على الظروف المحيطة مما جعل مجتمعها يقبلها لفاعليتها في تقديم الدعم له، بعد رفض وتنمر، وتكرس وقتها الآن في تقديم العلاجات لمشاكل المجتمع عبر المسرح.

الباحثة كفاية وحيد سلمان (وسط) اعتبرت أن المتنمرين يفتقدون الثقة بالنفس ويدمنون العدائية للآخرين (الجزيرة)

أسباب التنمر

وترى الباحثة الاجتماعية كفاية وحيد سلمان، أن من أهم أسباب التنمر أن الكثير من المتنمرين كانوا هم ضحايا لذلك ويشعرون بنقص التقدير الذاتي والغضب، وبالتالي يرمون هذا التنمر على غيرهم، ويدمنون السلوك العدائي تجاه الآخرين.

وأشارت إلى أنه من الأمور المهمة أيضا ضعف المتنمَر عليه واستسلامه، مما يعطي الحافز والقوة للمتنمِر بالاستمرار، فضلا عن قلة الوعي لدى بعض أفراد المجتمع الذي يتطلب مواجهته بنشر التوعية حول التنمر وآثاره التي تؤدي أحيانا إلى الانتحار.

وتنصح الباحثة أي شخص يتعرض للتنمر بتجاهل الأمر والثقة بالنفس والإيمان بالقوة الداخلية وأن يستمر بالعطاء والعمل وتطوير ذاته ومهاراته، وغض النظر عن أي إساءة صادرة من أي شخص مريض يعاني من عدم التقدير الذاتي لنفسه، ناهيك عن غيره.

المصدر : الجزيرة