أمهات لم ينجبن.. تغلبت عليهن عاطفة الأمومة فرَعين أبناء الأقارب أو الإخوة

طبيعة المرأة تتألف من 3 كيانات، هي الأنثى والزوجة والأم.. فإن طغى كيان على آخر تتغير عاطفتها وسلوكها

عدم الإنجاب يكون أحيانا خيارا شخصيا لكن على المرأة تحمل تبعاته (بكسل)
عدم الإنجاب يكون أحيانا خيارا شخصيا لكن على المرأة تحمل تبعاته (بكسل)

"ربيتهن ونسيت نفسي، وهم نسوني الآن"، هكذا تقول أحلام التي لم تتزوج، وكانت مشغولة بتربية أولاد إخوتها، وهي على عتبة الـ 80 تعترف أنها أخطأت، فالأولاد ليسوا أولادها، وإن أفنت عمرا في تربيتهم. تقول إنهم يحبونها، لكنهم يفضلون أهلهم، إذ يمر أكثر من شهر أحيانا ولا تراهم.

ساعدت عايدة في تربية أولاد أختها الأرملة، وكانوا ينادونها "ماما عايدة"، وتزوجت بعمر لا يسمح لها بالإنجاب، وكانوا هدفها على حساب نفسها، لدرجة تسببت بطلاقها لاحقا، وقد تركت لهم أملاكها وهم لم يتركوها حتى الرمق الأخير. إنهن أمهات من دون أولاد، فيهن تغلبت عاطفة الأمومة ولم تجد أحيانا من تتدفق لأجله.

السرير الفارغ بانتظار طفل سهى كرم التي أجهضت 5 مرات ولا تزال تحتفظ به (بكسل-تعبيرية)

سهى كرم التي تزوجت وهي في منتصف الثلاثينيات واجهتها أمراض منعتها من تحقيق حلم الأمومة، تقول للجزيرة نت "أشعر أحيانا أن رحمي قنبلة موقوتة، ولا أقوم بانتزاعه، ما يزال لديّ أمل ضئيل ولن أضيعه"، وقد أجهضت 5 مرات ولا تزال تحتفظ بسرير الطفل وأغراضه التي جمعتها في كل حمل، وتتمنى أن تكون أمًّا، "فالأولاد بهجة الحياة، وإلا فما قيمتها"، وتقول إنها تأثرت جدا عندما عرضت صديقتها المقربة أن تحضن لها جنينا في رحمها، لكنها لم تجد المخرج القانوني للأمر.

لا أريد الإنجاب

من جهة أخرى تصرح الإعلامية ريتا خوري أن عدم الإنجاب كان خيارها الشخصي، وكانت تلام على مجاهرتها بالأمر، كونها لم تقدر نعمة الله، وتقول "عندما أُسأل إن كان لدي أولاد وأجيب لا، تنهال عليّ نظرات الشفقة مرفقة بدعاء الله يطعمك".

وتعتبر أن غريزة الأمومة "تأليف وتلحين لا تنطبق على كل النساء" وتقول "وأنا لست قادرة على أخذ قرار بشأن حيوان أليف فكيف بطفل!"، فالولد برأيها مسؤولية حتى آخر العمر، ولكنها قضت عمرها قريبة من أولاد أقاربها وأصدقائها وزوجها الذي تعتبر ابنتُه أن ريتا الآن هي جدة ابنها، ويروقها هذا الشعور، وتقول إن علاقتها بـ"حفيدها" هي عنوان الحب غير المشروط.

أما فرح ميلان فكان قرارها بعدم الإنجاب بسبب وضع البلد الاقتصادي والأمني السيئ، وتقول "إما ننجب أطفال في وطن يحترم حقوق الإنسان والطفل والمرأة، وإلا فلا فائدة من جلب روح تعسة تصارع طوال حياتها ليتلقفها زعيم هنا أو مسؤول هناك"، وتعتبر فرح أن فرصة الإنجاب ستكون واردة بحال هاجرت وزوجها من لبنان.

المعالجة النفسية ناهد المصري: عاطفة الأمومة فطرية بيولوجية في البداية، لكنها تصبح مكتسبة اجتماعيا بعد أن تنجب (الجزيرة)

عاطفة الأمومة فطرية

وتعتبر المعالجة النفسية ناهد المصري أن توصيف العلاقة التي تجمع الأم بطفلها تختلف من موقف إلى آخر، فهناك "رابطة الأمومة" (Maternal Bond) وهي مرتبطة بعمليتي الحمل والولادة، وهناك "غريزة الأمومة" (Maternal instinct) وهي غريزة فطرية بيولوجية تبدأ من الطفولة وهي هرمونية وجينية، وتتطور مع العمر عند الأنثى، وهناك "حب الأمومة" (Maternal love)، وهذا الحب قد يوجد عند الأنثى حتى لو لم تنجب أطفالا.

وهذا برأي المصري يدل أن عاطفة الأمومة هي فطرية بيولوجية في البداية، لكنها تصبح مكتسبة اجتماعيا بعد أن تنجب.

اختيار الأمومة والمحاولة للوصول إليها ليس بمتناول جميع النساء (بكسل)

غياب الطفل

وتشير المصري إلى أن الكيان الطبيعي للأسرة يتألف من أب وأم وأطفال، ويكون عدد الأطفال وتوقيت الإنجاب برضا الزوجين، ولكن عندما يكون الزواج قائما على حاجة أو رغبة الإنجاب فقط فهنا يعتبر هذا الكيان معرضا للانهيار، لأن أصل الزواج ليس قائما على الأولاد فقط، بل على أسس عديدة كالحب والاحترام والمشاركة والمودة والرحمة أيضا، لذا فإن غياب القدرة على الإنجاب قد يكون سببا للاضطرابات النفسية عند الأنثى في حال ربطت مفهوم السعادة أو الاستقرار بوجود أطفال.

وتضيف أن هناك الكثير من البيوت تنعم بالأطفال ولا يوجد فيها سعادة، وقد نجد فيها حالات طلاق، مما يعني أن وجود الأطفال أو غيابهم لا يؤثر على العلاقة الزوجية، إنما تقبل الطرفين لهذا الأمر أو رفضهما له هو ما يحدد صحة العلاقة وبالتالي الصحة النفسية للأنثى.

المرأة الأم التي لا تسعد إلا باكتمال عناصر الأمومة لا يمكنها أن تعيش بدون هذه العاطفة وإلا ستشعر بالنقص (بكسل)

أمهات بأشكال مختلفة

وتعتبر المعالِجة النفسية أن هناك أدوارا كثيرة ربطت بين الأنثى والطفل، مع أو بدون رابط أمومة، مثل المرأة المنجبة التي تحمل وتولد الطفل لكن لا ترعاه أو تتركه لسبب قاهر، والمرأة المرضعة التي ترضع طفلا لم تنجبه مع طفلها مقابل أجر، والمرأة المربية التي تتولى رعاية وإطعام وحماية والاهتمام بطفل لم تنجبه، والمرأة الأم التي تحمل وتنجب وتربي وتهتم بكافة تفاصيل الطفل، وتقول المصري إنه في الحالة الأخيرة تكون الأمومة كاملة.

ومن هذا المنطلق تضيف المعالِجة النفسية أن المرأة التي لم تنجب لا يمكن أن تكون ناقصة أو مشوهة، فهي -وإن خسرت إحدى خصائصها بأن تكون أمًّا بيولوجية لطفل- تمتلك خصائص وأدوار عديدة يمكنها القيام بها، حتى لو لم تحمل الطفل في رحمها.

وتعتبر المصري أن طبيعة المرأة تتألف من ثلاث كيانات، وهي الأنثى والزوجة والأم، وبالتالي فإن طغى كيان على آخر تتغير عاطفة المرأة وسلوكها.

وبرأيها فإن الزوجة التي تحب زوجها وتقدره ويكون محور حياتها واهتماماتها وسعادتها لن تتأثر بغياب الأطفال عن حياتها، وبالتالي لن تميل إلى تعويض عاطفة الأمومة برعاية أبناء الأقران أو الأقارب أو الأخوة.

أما المرأة الأم -التي لا تسعد إلا باكتمال عناصر الأمومة- فلا يمكنها أن تعيش بدون هذه العاطفة، وإلا ستشعر بالنقص، وبالتالي ستحاول أن تبحث عن أطفال ترعاهم وتتبادل معهم عاطفتها إما عبر الرعاية الكاملة أو المشاركة مع أهالي الأطفال.

الأطفال هم زينة الحياة الدنيا بنظر كثير من النساء (بكسل)

في الوقت ذاته نجد المرأة الأنثى التي تحب ذاتها وتعامل زوجها وأقاربها والمحيطين بها بنرجسية، وتطلب الاهتمام ولا يهمها إلا نفسها وحاجاتها، وبالتالي لو أنجبت قد تكون أمًّا مستهترة، وإذا لم تنجب ستكون أنثى تحب ذاتها ومدللة لنفسها، وستعوض عن غياب الأبناء بلذتها في الاستمتاع بالحياة، بحسب المعالِجة النفسية ناهد المصري.

وتختم المصري بالقول إن الأطفال هم زينة الحياة الدنيا، ومتممات السعادة ومكملات الحياة الزوجية وسبب لاستمرار البشرية، ولكن غيابهم في حياة المرأة يجب ألا يكون سببا في تعاستها، لذا فإن تسامي المرأة أو انغماسها بالأحزان هو قرارها.

وحتى لو كانت نظرة المجتمع قاسية إلا أنها هي من يحدد ثباتها استنادا إلى المكونات النفسية والبيولوجية والاجتماعية التي تعجن طينتها، فإما صلبة عصية على الأحزان أو طرية لينة تتغير بتغير الزمان والمواقف.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من قضايا المرأة
الأكثر قراءة