ممرضات يشاركن المريض وجعه وقلق أهله.. يزرعن الأمل لدى كبار السن المصابين بكورونا

ممرضات يعملن ليلا في الرعاية المنزلية لمرضى كورونا إضافة لدوامهن النهاري في المستشفى، لأن رواتبهن متدنية، وهن بحاجة إلى دخل آخر لأجل العيش الكريم.

الممرضات يقفن في الصفوف الأمامية للتصدي لجائحة كورونا ويقدمن رعاية عالية الجودة، ويبددن مخاوف المرضى (الجزيرة)
الممرضات يقفن في الصفوف الأمامية للتصدي لجائحة كورونا ويقدمن رعاية عالية الجودة، ويبددن مخاوف المرضى (الجزيرة)

اخترن أصعب المهن وأكثرها إنسانية، وإن عرضن حياتهن للخطر، همهن زرع الأمل في قلب المرضى والبسمة على وجوههم.

إنهن الممرضات، يشاركن المريض وجعه وقلق أهله، ورغم ذلك رواتبهن باتت لا تلبي متطلباتهن اليومية في ظل الأزمة الاقتصادية التي يعاني منها لبنان.

شابات ممرضات يعملن ليلا في الرعاية المنزلية لمرضى كورونا إضافة لدوامهن النهاري في المستشفى؛ لأن رواتبهن متدنية، وهن بحاجة لدخل آخر لأجل العيش الكريم.

قصصهن تحمل الكثير من المشاعر الإنسانية والوجع والبسمة، فهن يقمن بأدوار لا تقل أهمية عن الأطباء، اخترن طواعية أن يقفن على خط المواجهة كجنديات في الجيش الأبيض، يحاربن العدو المجهول، ويعاملن المرضى كذويهن، يبكين لحظات توديع أحدهم، ويفرحن بل يطلقن الزغاريد وقت تماثل أحدهم للشفاء.

صداقة وألفة

تقول الممرضة زهراء البرجي (21 عاما) "إنها علاقة مساعدة، أساعد الناس، وهم يساعدونني بالمقابل، بحيث يزداد تقديري لذاتي وأشعر بالفخر؛ لأنني أساهم بإنقاذ المرضى من الموت. وحتى لو مات المريض، أكون قد بذلت أقصى طاقاتي لإنقاذه وفي مواساة الأهل. تغلبت على خوفي، واكتسبت خبرة بهذا المجال".

وتؤكد البرجي أن الظروف المعيشية القاهرة في لبنان تدفع الممرضة للعمل في مستشفى وفي الرعاية المنزلية في الوقت ذاته، لتأمين مستلزمات المعيشة. والشيء المؤسف وفق البرجي هو "أننا نكون عرضة للعدوى عدة مرات، على عكس الناس الذين ربما يتعرضون للعدوى مرة واحدة. ورغم وجود معدات الوقاية الشخصية، ما تزال هناك فرصة لالتقاط العدوى من الرذاذ في الهواء"

وتضيف "نحن معرضات لذلك مرات عديدة، لا مرة واحدة فقط، ومع ذلك شعورنا بالمسؤولية والإنسانية تجاه المرضى يجعلنا أكثر مقاومة للوباء، ومكافحة الخوف من العدوى، والعلاقة مع المرضى صارت مختلفة فيها صداقة ودفء وألفة".

البرجي: العمل مع مصاب بفيروس كورونا من خلال الرعاية المنزلية مختلف كثيراً عن العمل في المستشفى (الجزيرة)

تعتبر البرجي أنه على الرغم من قضاء معظم وقتها في العمل في المستشفى سابقا أو في العمل الإضافي لساعات طويلة جدا، فالابتسامة لا تفارق وجهها، وهي دائما تحاول رفع معنويات المرضى للتخفيف من توترهم وخوفهم المستمر من خطورة الإصابة.

وتضيف أن المسؤوليات التي كانت تلقى على عاتقها كممرضة كبيرة جدا، كتقلب الدوام ما بين النهار والليل، فالجميع نيام وهي ساهرة على حالات مرضية حرجة، مريض بحاجة لآلة تنفس صناعي، وآخر توقف قلبه عن العمل، مما يضطّرها لإجراء عمليات الإنعاش والإشراف على إعطائه الدواء، وغيرها من المهام طوال ساعات الدوام المرهقة.

وتلفت إلى أن العمل مع مصاب بفيروس كورونا من خلال الرعاية المنزلية مختلف كثيرا عن العمل بالمستشفى، فالعلاقة تصبح أكثر ثقة وتفاعلا وكلها محبة وود وإحساس بالأمان.

عندما تمرض الممرضة

تقول الممرضة زهراء البرجي إنها أصيبت وتعافت من فيروس كورنا، وتتمنى أن ينخفض عدد الإصابات في لبنان، وتبين أنه في زمن فيروس كورونا المخيف يحتاج جسم الإنسان أكثر من أي وقت مضى لتغذية صحية وغنية بالفيتامينات، حيث إن النظام الغذائي السيئ يلحق الضرر بالجسم، ويتسبب بالمرض.

وتضيف "نحتاج إلى الكثير من الزنك وفيتامين "سي" (C) والحديد، للحفاظ على نظام مناعة جيد، كما يجب تناول الأطعمة الصحية مثل السبانخ والتوت والبقوليات، لما لها من فوائد كبيرة على الجسم".

مؤمنة برسالتي وأعمل بسعادة

بتول علي أحمد (20 عاما)، ممرضة في أحد المستشفيات مع عملها الإضافي في التمريض المنزلي لمرضى كورونا، كما أنها تتابع دراستها بهذا المجال تقول للجزيرة نت "أعمل في مهنة التمريض منذ أكثر من 4 سنوات اخترتها بسبب حبي للعمل الإنساني، حتى إن اضطررت للعمل ليلا، وهذا العمل يجعلني فخورة لا سيما في ظل ظروف انتشار الوباء".

وتضيف بتول أن الخوف من الإصابة بكورونا أمر طبيعي، كونه خطيرا وله تبعات على صحتنا وحياتنا وعلاقتنا بالناس، وتستدرك "كوني اخترت هذه المهنة، يعني أن لدي التزاما، أنا أؤمن برسالتي، وأن لديّ قدرات أستطيع من خلالها أن أفيد المجتمع، لذلك أقوم بمهنتي بسعادة، فقمة فرحي أجدها عندما أساعد الغير".

الممرضة بتول علي أحمد تقول إن الخوف من الإصابة بالفيروس أمر طبيعي، كونه خطيرا، وله تبعات على صحتنا وحياتنا وعلاقتنا بالناس (بيكسلز-تعبيرية)

تجربة صعبة

شاركت بتول الجزيرة نت أحد تجاربها مع مرضى كورونا قائلة "أغلب الحالات كانت متشابهة، ومنهم من تمكنوا من البقاء على قيد الحياة رغم تجاوزهم 70 عاما، وهذا ما منحني الأمل؛ لكنني تأثرت كثيرا بحالة مسن مصاب بفيروس كورونا يهتم بزوجته المصابة أيضا، مؤكدا لها أنه سيحبها للأبد؛ لكن حالته الصحية تدهورت بسرعة، ولم يعد واعيا لما حوله، فتوفيت زوجته بدون علمه. وفي اليوم التالي، وكأنه شعر بذلك فانخفضت نسبة الأكسجين كثيرا لديه، وفقد جسمه المقاومة، وبعد ساعات توفي أيضا، وكأنه لم يقدر على فراق زوجته. هذه الحالة أحزنتني كثيرا، وبكيت مطولا، ولم أستطع التحدث مع أحد لأيام عديدة، وشعرت بالصدمة والأسى".

وتؤكد بتول أنه رغم التدابير الوقائية التي تتخذها لدى مكوثها بالقرب من مصاب بكورونا في المنزل؛ لكنها تتأثر كثيرا، وتحاول مواساتهم وتشجعيهم لإعادة الأمل والطمأنينة في نفوسهم، فهذا واجبها الإنساني رغم الخطورة.

وتختتم "عندما يدعو لنا المريض تكون دعواتهم أهم سلاح في معركتنا، ونحن نشعر بأننا عائلة واحدة".

بطولات خلف الكواليس

نسرين م. مصابة بكورونا تدهورت صحتها وباتت تعاني من صعوبة التنفس، نقلت للمستشفى بسرعة، تروي تجربتها للجزيرة نت "فقدت القدرة على المقاومة، فهاجم الفيروس رئتي، وانتهى بي الأمر في العناية المركزة لعدة أسابيع. بصراحة، جننت، جننت بشدة، عانيت من هلوسة سمعية، كنت أعتقد أني أسمع محادثات، واعتقدت أن أشياء تحدث لي، ولم يكن هناك أي شيء يحدث".

وتزيد نسرين "اكتشفت أن معظم المصابين بالفيروس والموجودين في العناية يسمعون باستمرار الأصوات المزعجة في أوقات عشوائية، ويعانون اضطراب النوم بسبب التدابير الطبية وتنظيم مواعيد الأدوية طوال الليل، فضلا عن الانزعاج والارتباك، كما يشعرون في بعض الأحيان بحيرة وخوف وتهديد".

وتؤكد نسرين أن كوادر التمريض هم الأبطال الحقيقيون خلف الكواليس، والذين يساندون المرضى، ويسهرون على راحتهم من جانب ويحاربون الفيروس من جانب آخر.

وتزيد "الممرضة التي تأتي يوميا لمنزلي بدأت تعلمني وتشجعني على القيام بحركات رياضية؛ لأني بدأت أعاني من ضمور العضلات وضعفها وعدم القدرة على المشي، وجعلتني أغلب الخوف والتوتر من خلال عملية التنفس؛ خاصة أنني أحتاج فترة طويلة للعودة لحالتي الطبيعية، وما زلت أستعين بجهاز تنفس صناعي، فأنا لا أستطيع أداء المهمة لوحدي، وأنا ممتنة جدا لإعطائي فرصة ثانية للحياة بوجود ممرضة تبعث الأمل والفرح في نفسي".

الممرضات يساندن المرضى ويسهرن على راحتهم (بيكسلز)

مريض يروي تجربته

جاد خ. مصاب بفيروس كورونا يتذكر تجربته مع المرض "منذ تفشي جائحة فيروس كورونا، وأنا أتابع بشكل يومي المقالات والدراسات، التي تناولت طرق انتشار الفيروس وأسلوب العدوى وأعراض الإصابة وشدة المرض لدى مختلف الفئات العمرية، وما تخلفه الإصابة من مشاكل صحية حتى بعد التعافي.
ورغم حرصي الشديد على الالتزام بالتباعد الاجتماعي وارتداء كمامة الوجه وغسل اليدين، شعرت بأعراض غريبة تمثلت بصداع شديد استمر يومين متواصلين، ثم قشعريرة وحمى لفترة قصيرة، بعدها إسهال مائي شديد لـ3 أيام متتالية مصحوبا بتقيؤ لكل ما يدخل جوفي عدا الماء، وخلال تلك الفترة ظهر أن نتيجة الاختبار كانت إيجابية".

"بقيت في المستشفى لأسبوع، وعندما عدت للمنزل طلبت المساعدة من ممرضة شابة؛ لأني وجدت نفسي متعبا جدا وغير قادر على الحراك، وأعاني من الأرق والقلق. وقفت بجانبي وعاملتني برعاية شديدة، ووثقت بها لدرجة أحسست أني أتعافى بسرعة إذ جعلتني لا أشعر بالقلق لأني معزول".

الممرضة دعاء أبو دية: توفير الرعاية الطبية المنزلية لمرضى كورونا تحسن صحتهم النفسية (الجزيرة)

رعاية نفسية وجسدية

الممرضة دعاء أبو دية مؤسسة شركة "وي كير ميد" (we care med) للعناية التمريضية المنزلية منذ عام تقريبا، والمرخصة من وزارة الصحة، تقول إن إنشاء الشركة كان بسبب انتشار جائحة فيروس كورونا ورغبة عدد كبير من كبار السن المصابين بفيروس كورونا بالتمريض المنزلي؛ لأن توفير الرعاية الطبية المنزلية لها إيجابيات الشفاء العاجل، وتحسن الصحة النفسية والجسدية للمرضى نتيجة العناية المكثفة والضرورية من ممرضات شابات لديهن الخبرة الكافية بهذا المجال.

وتضيف أن فريق الرعاية الصحية المنزلية يقدم بشكل معتاد أيضا خدمات علاج الجروح والعلاجات الوريدية؛ مثل حقن المضادات الحيوية عن طريق الوريد، والتغذية الكاملة بالحقن، والعلاج الإنزيمي. كما تتضمن أكثر الإجراءات الطبية شيوعا كأخذ عينات الدم من المريض لإجراء التحاليل، وفحوصات سيولة الدم للمرضى، الذين يستخدمون الأدوية المضادة لتخثر الدم، لتقييم حالاتهم بشكل سريع.

وتشير أبو دية إلى أنه يتم تقديم خدمات مريحة وعملية للمرضى، فهناك دور وقائي مهم حيث تتسم خدمات تقييم الحالة الصحية للمرضى في منازلهم بأهمية كبيرة، وتضمن حصول المرضى الأكثر عرضة للمخاطر الصحية على الرعاية المناسبة في الوقت المناسب.

وتضيف أنها تتخذ كافة التدابير الوقائية اللازمة للحد من خطر انتقال العدوى والحفاظ على صحة المرضى قدر الإمكان، والتزام الممرضات بـ"اللباس الواقي" (PPE) مع الحفاظ على إنسانية التعامل مع المريض.

وتنوه بالدور الحقيقي للشركة بتشجيع الشابات الممرضات على الاستمرار بعملهن رغم الظروف الاقتصادية الصعبة، التي يمر بها لبنان، ومساعدتهن بإكمال مشوارهن الإنساني دون خوف أو قلق.

وتوضح أبو دية أن فلسفة الرعاية الصحية المنزلية تقوم على توفيرها للذين هم بحاجة لها في منازلهم ومن أهدافها الرئيسة توفير خدمات صحية للمريض في بيئته ومحيطه الأسري، والارتقاء بالصحة العامة للفرد، وبالتالي للمجتمع.

الطبيبة نتالي الديراني: الاحتياطات الواجب اتباعها مع المرضى صارت جزءا من حياة الممرضات وحياتنا اليومية (الجزيرة)

امتلاك المعلومات والمهارات

تؤكد الطبيبة نتالي ديراني اختصاصية الأمراض الجرثومية والمعدية أن الاحتياطات الواجب اتباعها مع المرضى صارت جزءا من حياتهن اليومية، ومنها غسيل الأيدي وارتداء الأقنعة والقفازات المعقمة، ولم يعد الخوف والقلق يلازمهن كما في بداية جائحة كورونا، وباتت الممرضات يمتلكن المعلومات والمهارات فيما يتعلق بكيفية التحكم في العدوى في قسم الطوارئ والرعاية الحرجة، وذلك بتطبيق الاحتياطات والمعايير الدولية.

وتضيف أن الكادر التمريضي مدرب ومؤهل وقادر على التعامل مع كافة الحالات التي تراجع المراكز الصحية التابعة لمؤسسة الرعاية الصحية الأولية، منوهة إلى أن الكوادر العاملة في القطاع الصحي بشكل عام تبذل قصارى جهدها للمساهمة بتجاوز الأزمة.

وتوضح بأن الممرضات والممرضين أيضا يقفون جميعا في الصفوف الأمامية للتصدي للجائحة، ويقدمون رعاية عالية الجودة، ويبددون مخاوف المرضى ويسهرون على راحتهم، ويخاطرون بحياتهم لإنقاذ الآخرين. وهذه المهنة الإنسانية والاجتماعية النبيلة أثبتت علميا وميدانيا قدرتها على التأثير الإيجابي على صحة المرضى والمساهمة بتأمين الرعاية الصحية لكافة المرضى، ولهذا تحظى بالتقدير والاحترام من الجميع لما يبذلونه من جهد متواصل في الليل والنهار حفاظا على صحة وسلامة الجميع.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

تتمتع الممرضات بصفات كثيرة تجعلهن قادرات على إسعاد الشريك، لذلك فإن فكرة الزواج بممرضة قد تكون مغرية لكثير من الرجال، فما هي هذه الصفات؟

30/1/2021
المزيد من مرأة
الأكثر قراءة