إلغاء التمييز الإيجابي لتعزيز مشاركتهن بالبرلمان.. هل تراجع النضال النسوي في الجزائر عن مكاسبه؟

بعد إلغاء المحاصصة ووفق القانون الجديد سيكون الناخب الجزائري هو الحكم (الجزيرة)
بعد إلغاء المحاصصة ووفق القانون الجديد سيكون الناخب الجزائري هو الحكم (الجزيرة)

في سياق موجة الربيع العربي قبل 10 سنوات، أقرت الجزائر حزمة إصلاحات سياسية، كان من أبرزها نظام المحاصصة الانتخابية، أو ما يعرف بالتمييز الإيجابي. وقضى قانون 2012 بإجبارية تمثيل المرأة في البرلمان والمجالس المنتخبة محليا في حدود الثلث على الأقل، مهما كان ترتيبها على قوائم المرشحين.

وقالت الحكومة حينها إن القانون "يهدف إلى تعزيز مشاركة المرأة، وتحقيق مبدأ المساواة في مجال المشاركة السياسية بين النساء والرجال، تجسيدا لما تقتضيه دولة الحق والقانون".

ثم احتفظ القانون المعدل للانتخابات لعام 2016 بنفس الإلزام الانتخابي، رغم الانتقادات التي طالته، حتى أن الدوائر الإعلامية والسياسية وصفت برلمان 2012 بأنه "برلمان الحلاقات" بعدما وجدت أغلب الأحزاب نفسها في ورطة القيد القانوني، مجبرة على ترشيح النساء دون مؤهلات سياسية.

غير أن "نظام المُحاصصة" (الكوتا النسائية) على مساوئه سمح للجزائر بتصدر الترتيب الدولي عربيا، من حيث التمثيل النسائي في البرلمان عام 2014، بنسبة 31.6%.

وتجاوزت الجزائر المعدل العالمي للنساء في المجالس المنتخبة والمقدر بـ 22%، إذ أحصت المؤسسة التشريعية وقتها 145 عضوة، دون احتساب مجلس الأمة كغرفة عليا للبرلمان.

لكن اللافت اليوم، ضمن أبرز التعديلات التي طالت قانون الانتخابات الجديد الصادر مؤخرا بأمر رئاسي في غياب البرلمان، هو إسقاطه إلزامية الكوتا، مُكتفيًا باشتراط المناصفة في الترشيح، ليبقى الخيار النهائي بيد الناخب وحده.

ولقي التعديل ترحيبا نسبيا، حيث رأت فيه تشكيلات سياسية تصحيحا لخطأ العهد البوتفليقي (نسبة للرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة) الباحث عن الأضواء الدولية وشهادات المنظمات الحقوقية.

ومن جانبها انتقدت أطراف أخرى الخيار الجديد، باعتباره تراجعا عن مكاسب النضال النسوي في البلاد.

توقعات بتراجع تمثيل المرأة في البرلمان الجزائري القادم بعد صدارتها عربيا قبل سنوات (الجزيرة)

التمييز الإيجابي

وفي ردود الفعل المجتمعية، ترى نادية لعبيدي شرابي، عضوة البرلمان المنحل، أن النساء غير متساويات مع الرجال في البلاد، كما في أي مكان آخر، على الرغم من التقدم الواضح الذي تم إحرازه.

ولذلك شددت على أنه "غير ممكن تصحيح حالة عدم المساواة إلا من خلال عدم مساواة أخرى، عن طريق ما يسمى التمييز الإيجابي" أي تفضيل النساء بضمان جزء من المقاعد لهن، وإذا أمكن التكافؤ.

وقالت وزيرة الثقافة السابقة "هناك حجة مفادها عدم التفريق بين الرجل والمرأة بمعزل عن الكفاءة، إنها جملة جميلة، لكنها غير صحيحة لأنها تؤدي في الواقع إلى صنع الفوارق والتمييز ضد المرأة".

وأضافت في تصريح للجزيرة نت أنه "في حال وجود عدد أقل من النساء، فليس لعدم كفاءتهن، بل يرجع ذلك إلى ألف سبب آخر معروف" وذكرت منها التحيز واحتكار النشاط السياسي والمسؤوليات الأسرية.

واعتبرت أن نظام الحصة (الكوتا) كانت نتائجه إيجابية ومفيدة، فقد سمح بشكل خاص باكتشاف نساء مميزات، وبالتالي قلل من تحيزات المجتمع وأدى إلى تحسن مستوى المساواة بين الرجل والمرأة.

شرابي: نظام المحاصصة يحارب التحيز الاجتماعي والتمييز الإيجابي هو الحل (الجزيرة)

فشل المحاصصة

من جهة أخرى، أكدت سامية خمري، البرلمانية السابقة، أن المحاصصة لصالح النساء تمثل اعتداء على حق الناخب وعلى سيادة الشعب التي ضمنها الدستور.

وقالت إن هذا الأسلوب فشلت في تطبيقه دول متطورة تتعامل مع المرأة كأنها من ذوي الاحتياجات الخاصة، دون اعتبار لمعايير القدرة والكفاءة والفرصة والمبادرة، والتي تجعل منها فردا ايجابيا، وإضافة فاعلة، بعيدا عن الصورة النمطية التي أرادوا أن تكون عليها.

وأوضحت -في تصريح للجزيرة نت- أن بإمكان السلطة تطبيق المحاصصة في تعيينات المؤسسات التنفيذية، حيث تمتد سلطتها، كالوزارات والإدارات العمومية، حتى تساهم بطريقة دستورية وقانونية في الحياة العامة.

وتوقعت أن يتأثر تمثيل المرأة عدديا في المجلس التشريعي المرتقب، لكن دون تغيير في تمثيلها النوعي والكيفي.

خمري: بإمكان السلطة تطبيق المحاصصة في تعيينات المؤسسات التنفيذية كالوزارات والإدارات العامة (الجزيرة)

رؤية جديدة

من جانبها، تعتقد عتيقة حريشان، رئيسة جمعية حورية للمرأة، أن نظام المحاصصة قد سمح برفع نسبة تمثيل المرأة في المجالس المنتخبة وطنيا ومحليا، وبروز كفاءات نسائية في العمل السياسي.

غير أن فرض هذا النظام -دون العمل على رفع الوعي لدى المرأة في حد ذاتها بأهمية مشاركتها في الحياة السياسية عن قناعة، وكذلك عدم تغيير الذهنيات لدى الكثير من الفاعلين السياسيين والاجتماعيين- قلل من فاعليته في تحسين واقع المشاركة السياسية للمرأة، كما تقول حريشان.

وأكدت في تصريح للجزيرة نت أن تمثيل المرأة، وهي صاحبة الأكثرية في المجتمع، يتطلب رؤية جديدة تخرج من الانتقالي إلى الاستدامة، مبنية على التأهيل وتكافؤ الفرص والكفاءة ونزاهة الاقتراع وتغيير البيئة المجتمعية.

واعتبرت أنه لن يتغير الواقع بفرض قوانين وأنظمة انتخابية دون تسطير برامج تكوينية لتأهيل النساء وتمكينهن من أدوات العمل السياسي، والعمل على التنشئة الاجتماعية الصحيحة لدى الشباب، بأهمية مشاركة المرأة في الشأن العام، بل "سيفرز لنا نماذج غير مؤهلة تسيء أحيانا لصورة للمرأة".

وبالنظر إلى واقع البيئة المجتمعية، فإن تطبيق القانون الجديد سيؤدي إلى تناقص حظوظ المرأة في البرلمان، لأن السلوك الانتخابي سيصوت للرجال، بما فيها النساء اللواتي لا ينتخبن جنسهن، وفق توقعات حريشان.

حنطابلي: القانون الجديد يجعل مشاركة المرأة في البرلمان استحقاقا سياسيا وليس مكافأة على جنسها (الجزيرة)

طبيعة الاقتراع

وفي تفسيره لإسقاط نظام المحاصصة، يعتبر يوسف حنطابلي، أستاذ علم الاجتماع السياسي بجامعة الجزائر، أن القضية مرتبطة بطبيعة الاقتراع على القوائم وعلاقتها بالأحزاب.

وقال إن النظام الانتخابي القديم اعتمد القوائم المغلقة بوجود أحزاب سياسية موالية لنظام بوتفليقة، مما حتم عليها -لاعتبارات مرتبطة بترقية المرأة وإشراكها في العمل السياسي- أن تكون لديها نسبة تمثيل معتبرة في المجالس المنتخبة.

أما الآن، فهناك قوائم مفتوحة، حيث يتم انتخاب شخصيات بعينها لعضوية البرلمان، وليس وفق نظام المحاصصة، إذ سيصوت الناخب على قائمته المفضلة التي تقدمها الأحزاب والمستقلون، ولديه الحرية في ترتيب المرشحين داخلها، مثلما يوضح حنطابلي.

كما يعكس القانون الجديد البُعد السوسيو ثقافي الذي يجعل مشاركة المرأة مؤشرا على مدى وعيها وقدرتها على الإقناع، وليس عبئا على الاستفادة من المقعد المرتبط بجنسها، وهو أدى سابقا إلى كوارث في طبيعة المرشحات للبرلمان ونوعيتهن، على حد تعبيره.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من مرأة
الأكثر قراءة