"انقر واحم".. حملة لمواجهة التنمر الإلكتروني في المغرب

فريق جمعية "ابتسامة رضا" التي أطلقت حملة توعية "انقر واحم" لمواجهة التنمر على منصات التواصل (الجزيرة)

الرباط – كانت سامية (اسم مستعار) في الـ13 من عمرها عندما تلقت دعوة على أحد مواقع التواصل الاجتماعي من طرف شاب لا تعرفه.

تطورت العلاقة بين سامية وهذا الشاب الذي أخبرها أن عمره 16 سنة، وأقنعها بإرسال صور وفيديوهات تظهرها في أوضاع "غير لائقة".

في اليوم التالي، اكتشفت الفتاة أن الشاب حظرها على جميع مواقع التواصل دون أن تفهم السبب، لتفاجأ بصورها الخاصة وقد أرسلت لهواتف زملائها في المدرسة.

قضت سامية أياما صعبة، سمعت فيها كلاما قاسيا من زملائها في المدرسة، ووصلتها رسائل تتضمن إهانات وعبارات تنمر، لتقرر في النهاية إخبار والديها.

اضطرت الفتاة بعد نهاية العام الدراسي تغيير المدرسة هربا من تعامل زملائها واستبعادهم لها، غير أن الصور انتشرت مرة أخرى في هواتف زملائها في مدرستها الجديدة.

شعار حملة "انقر واحم" لحماية الشباب والمراهقين من التنمر الإلكتروني (الجزيرة)

تحفيز المجتمع

لجأت سامية لجمعية "ابتسامة رضا" بالدار البيضاء طلبا للاستشارة، فرغم مضي سنوات على الحادثة وبلوغها 18 من عمرها فإنها لم تستطع الشفاء مما تعرضت له، ولا تزال تعيش آثار الصدمة، وكلما مرت أمام مدرستها تعيش مشاعر الألم نفسها وكأن السنوات لم تمر.

وأطلقت جمعية "ابتسامة رضا" بالدار البيضاء حملة توعية وطنية بشراكة مع إنستغرام عنوانها "انقر واحم" بهدف مواجهة التنمر عبر الإنترنت والتحرش على منصات التواصل الاجتماعي، والمساعدة في حماية المستخدمين وخاصة الشباب واليافعين من الأضرار التي يمكن أن تسببها هذه المشكلة.

 

ويقول فريق "ابتسامة رضا" إن الحملة هي دعوة للعمل من أجل تحفيز المجتمع على المشاركة والتفاعل بمستوى أعلى من الوعي وإظهار الحرص وتسليط الضوء على الانتشار الواسع للتنمر عبر الإنترنت.

وسيتم من خلال هذه الشراكة تزويد الشباب بالأدوات التي يوفرها إنستغرام للمجتمع لمكافحة التنمر، وهي الأدوات التي تساعد الأشخاص على حماية حساباتهم من المتنمرين، ومن أنشطة الاتصال غير المرغوب بها وتشجيع التفاعلات الإيجابية وتمكين الأشخاص من الدفاع عن أنفسهم.

ويوجد حاليا أكثر من 10 أدوات ودورات عمل متاحة لمستخدمي إنستغرام لمكافحة التنمر عبر الإنترنت والإبلاغ عنه.

وتعرف اليونيسف التنمر الإلكتروني بأنه التنمر باستخدام التقنيات الرقمية ويمكن أن يحدث على وسائل التواصل الاجتماعي ومنصات التراسل ومنصات الألعاب الإلكترونية والهواتف الخلوية.

وهو أيضا -بحسب المصدر نفسه- سلوك متكرر يهدف إلى تخويف الأشخاص المستهدفين أو إغضابهم أو التشهير بهم، ومن بين الأمثلة على هذا النوع من التنمر نشر الأكاذيب أو نشر صور محرجة لشخص ما على وسائل التواصل الاجتماعي، وإرسال رسائل مؤذية أو تهديدات عبر منصات التراسل وانتحال شخصية أحد ما وتوجيه رسائل دنيئة للآخرين باسمه.

 

التنمر ليس عاديا

كشفت الدراسات التي أجراها فريق "ابتسامة رضا" أن 62% من الشباب في المغرب قد تعرضوا للتنمر أو المضايقة عبر الإنترنت، كما أن 58% شهدوا نوعا من أعمال العنف ضد أشخاص آخرين، واعترف 47.7% بأنهم اقترفوا أحد أشكال العنف.

وأجرى المركز المغربي للأبحاث متعددة التقنيات والابتكار خلال الفترة ما بين 2019 و2020 تحقيقا لقياس حجم ومدى تفشي ظاهرة التحرش السيبراني لدى الشباب المغربي. غطى هذا التحقيق 8 جهات، واستهدف فئة عمرية ما بين 8 و28 سنة، 78% منهم تقل أعمارهم عن 17 سنة.

واعترف 31% من الأطفال والمراهقين المستجوبين بتعرضهم لبعض أنواع التحرش السيبراني، في حين أشار 4.7% من الأطفال والشباب المستجوبين إلى تعرضهم للتهديد.

تقول مريم بحري مديرة جمعية "ابتسامة رضا" إن الشباب يدركون وجود التنمر ويعيشونه، لكنهم لا يعرفون خطورته ويعتقدون أن ما يحدث ممارسات عادية.

وتضيف في حديث مع الجزيرة نت "دورنا أن نظهر لهم أن ما يحدث ليس عاديا، وأن الأمر ينطوي على مخاطر متعددة، وأن نعلمهم أدوات تساعدهم على مواجهة التنمر الإلكتروني ووقفه".

ومن مخاطر التنمر الإلكتروني وعواقبه الوخيمة على الأطفال والمراهقين فقدان التركيز، مشاكل في النوم، وانخفاض التحصيل الدراسي لدى الضحية، ضعف الثقة في النفس، العزلة وقد يدفع كل ذلك الضحية إلى التفكير في الانتحار.

وأعدت الجمعية كتابا إلكترونيا يتضمن الأدوات التي ينبغي استعمالها في مواقع التواصل الاجتماعي لمواجهة المتنمرين مثل الحجب والإخفاء والتقييد والإبلاغ وحماية الخصوصية وغيرها من الأدوات.

وتوضح مريم "شرحنا هذه الأدوات في الكتاب بطريقة سهلة ومبسطة وعبر فيديوهات يقدمها شباب من الجمعية وتبث عبر إنستغرام وفيسبوك".

صدمة تتحول لفعل

تأسست جمعية "ابتسامة رضا" قبل حوالي 11 سنة، وكانت واقعة انتحار الطفل رضا (13 عاما) صدمة لعائلته وأقاربه وأصدقائه.

حوّل هؤلاء هذه الصدمة إلى دافع لتأسيس فعل مدني جاد يوفر الدعم للأطفال والمراهقين والشباب، وفضاء للإنصات لمعاناتهم ومشاكلهم ولكل ما قد يدفعهم لأذية أنفسهم أو يجعل حياتهم لا تطاق.

وبموجب شراكة بين "ابتسامة رضا" وإنستغرام، يتم توجيه مستعملي هذه الشبكات التواصلية بالمغرب الذين يتعرضون للتنمر أو يحتاجون إلى الدعم والمساندة، نحو الموقع الإلكتروني لابتسامة رضا، إلى جانب خط المساعدة "أوقفوا الصمت" بمركز السلامة لفيسبوك.

ويتوفر مركز السلامة على معطيات وبيانات تتطرق للعديد من سبل الحصول على مساعدة وبعض النصائح المعدة لمساندة ودعم الأشخاص الذين يجتازون ظروفا صعبة وحرجة.

إضافة لذلك، فعند مشاركة المغاربة لأي محتوى حول آفة الانتحار أو إيذاء الذات أو لدى بحثهم عنه على فيسبوك أو إنستغرام، سيجدون المساعدة متاحة أمامهم في تطبيق خاص بذلك، بما فيها المعلومات المتعلقة بطريقة الاتصال بالجمعية بهدف تمكين العاملين فيها من تقديم الدعم الضروري للشخص الذي عبر عن حاجته لذلك.

وبحسب مريم بحري، فخط المساعدة هو خط هاتفي سري ومجاني ومفتوح في وجه المراهقين والشباب الذين لا تتجاوز أعمارهم 21 سنة.

ويتعامل مع هذه الاتصالات كوادر من الجمعية تلقوا تدريبا للتعامل مع الأشخاص الذين تراودهم أفكار انتحارية أو يعيشون معاناة داخلية ويحتاجون إلى من يساعدهم لتجاوزها وذلك وفق بروتوكول استماع احترافي.

وتشير مريم إلى أن "حوالي 30% من الشباب الذين اتصلوا بنا كانوا قد قاموا بمحاولة انتحارية و60% من المتصلين لديهم أفكار انتحارية والباقي لديهم مشاكل عاطفية أسرية ودراسية ومشاكل تتعلق بالتنمر الإلكتروني والعنف".

وتوضح "نتبع برتوكول استماع يقوم على الاتصال الواحد، نتلقى اتصالا من مجهول، ننصت له ولمعاناته، ونحاول أن نصل معه إلى نقطة يضع فيها الأفكار الانتحارية جانبا ونصيغ معه خطة للتعافي وتجاوز المعاناة بتوجيهه إلى الاستعانة بأحد من محيطه أو بمتخصصين".

ويأمل فريق "ابتسامة رضا" أن تساعد حملاتهم التوعوية ومبادراتهم، ضحايا التنمر والتحرش الإلكترونيين وكل أشكال العنف إلى الحديث عن معاناتهم ومشاركتها مع محيطهم ومجتمعهم، وأن يتعلموا الأدوات التي تساعدهم على وقف التنمر في الإنترنت وحماية أنفسهم.

المصدر : الجزيرة