انتهاكات الأمن الفلسطيني.. وجه آخر للعنف ضد النساء

وفاء عبد الرحمن مديرة مؤسسة فلسطينيات: استهداف الصحافيات في المسيرات كان المفتاح لقمع النساء، وكأنها رسالة للجميع بأن هراوات قوى الأمن لا خطوط حمراء لها، وألا حصانة لأحد.

Demonstrators, of which one is holding a placard, protest over the death of Nizar Banat, a critic of the Palestinian Authority, in Hebron, in the Israeli-occupied West Bank, June 27, 2021. The placard reads, "This country deserves you to sacrifice, raise your voice and don't be afraid". REUTERS/Mussa Qawasma
نساء يشاركن في مظاهرة بتاريخ 27 يونيو/حزيران رفعت أحدهن لافتة احتجاج على مقتل نزار بنات، أحد منتقدي السلطة الفلسطينية في الخليل (رويترز)

رام الله- بعد 4 أيام من وجودها في الشارع لمراقبة الانتهاكات القانونية التي وقعت من الأجهزة الأمنية الفلسطينية على المشاركين والمشاركات في المسيرات التي خرجت في رام الله احتجاجا على مقتل الناشط نزار بنات، تعرضت المحامية ديالا عايش للاعتداء والاعتقال والتحرش.

المحامية ديالا من فريق جمعية "محامون من أجل العدالة" الذي عمل على توثيق الانتهاكات القانونية في هذه الفترة، تعرضت لاعتداء مباشر وقمع في 5 يوليو/تموز الماضي، أثناء وجودها أمام مقر شرطة البالوع لتوثيق الاعتداءات على أهالي المعتقلين من نساء وأطفال.

تقول المحامية للجزيرة نت: "كنت أقوم ببث مباشر لنقل ما يحدث بعد الاعتداء على الصحافية هند شريدة أمام أطفالها، وضربها وسحلها في الشارع. فجأة سمعت أحدهم يقول: هيها اعتقلوها. فهجم 4 من أفراد الشرطة وقاموا بضربي والتحرش بي جسديا واعتقالي".

في ذلك اليوم، اعتقلت عايش مع 8 نساء من اللواتي كن يتظاهرن سلميا أمام مقر الشرطة؛ احتجاجا على اعتقال أقاربهن من النشطاء الذين شاركوا في المسيرات الاحتجاجية، وجميعهن تعرضن للضرب والإهانة والرش بغاز الفلفل.

اعتقالها ومن معها من النساء في ذلك اليوم كان امتدادا لأيام سابقة من العنف الذي مارسه أفراد الأجهزة الأمنية على المشاركات في مسيرات الاحتجاج، ووصل إلى حد الضرب الشديد والملاحقة والتحرش الجنسي وسرقة الهواتف النقالة وابتزازهن بما فيها من صور.

أثناء اعتقالها خضعت لتحقيق وتهديد كي لا تتحدث عن التحرش الذي تعرضت له، وبعد الإفراج عنها تقدمت بشكوى ضد أفراد الشرطة الذين اعتدوا عليها، ولكن دون رد حتى الآن.

هذا العنف غير المسبوق من قبل الأمن على النساء في الشارع -كما تقول ديالا للجزيرة نت- لم يكن صدفة أو تصرفا فرديا من قبل أفراد الأمن، بل كان مخطط له من أعلى المستويات الأمنية والسياسية، والدليل أنه تكرر في كل المسيرات، وأنه لم تتم حتى الآن محاسبة من تسبب به.

** للاستخدام الداخلي فقط *** الناشطة النسوية ساما عويضة صورة خاصةساما عويضة: النساء تعرضن للتحرش الجنسي والابتزاز وانتهاك الخصوصية والاعتقال للتعبير عن رأيهن (الجزيرة)

تخوف من نهج دائم

ما خلصت إليه المحامية عايش من أن هذا العنف مقصود، هو ما جعل المؤسسات القائمة على حملة "16 يوما لمناهضة العنف ضد النساء" تختار هذا الشكل من أشكال العنف على المرأة في الحيز العام للتركيز عليه في أيام الحملة، كما تقول ساما عويضة من "ائتلاف فلسطينيات ضد العنف" (فضا)، الذي يقود هذه الفعاليات في كل فلسطين التاريخية.

وتنطلق فعاليات هذه الحملة في 25 نوفمبر/تشرين الثاني من كل عام، تزامنا مع اليوم العالمي لمناهضة العنف ضد النساء.

وتابعت عويضة للجزيرة نت: "التركيز على هذا النوع من العنف لأنه لا يقل خطورة عن باقي أنواع العنف، فالنساء خلال قمعهن تعرضن للتحرش الجنسي والابتزاز وانتهاك الخصوصية والاعتقال؛ لمشاركتهن في التعبير عن رأيهن".

ولكل ذلك، سعت الحملة لمعالجة هذا النوع من العنف بكل جرأة ووضوح، لوضع حد له قبل أن يتطور ويتحول إلى ظاهرة ونهج في قمع النساء وتحجيم دورهن في المشاركة السياسية والمجتمعية.

وقالت عويضة إن هذا الشكل من العنف مبني على النوع الاجتماعي، والمقصود به النساء تحديدا، لأن الممارسات التي وقعت لا تخيف الرجال، ولكنها تمس النساء والفتيات بشكل كبير في مجتمع محافظ مثل فلسطين، فكانت الرسالة إلى كل المجتمع بالضغط على النساء لعدم الخروج إلى الشارع.

ولعل أكثر ما يقلق في هذا النوع من الاعتداءات -بحسب عويضة- هو المماطلة في محاسبة المتسببين به، مما يدل على أنها كانت اعتداءات مدروسة ومخططا لها، وبقرار من مستويات عليا.

التخوّف من تحول هذا العنف إلى نهج هو أيضا ما عبّرت عنه المديرة العامة لمركز المرأة للإرشاد القانوني والاجتماعي رندة سنيورة، في ظل الإنجازات التي حققتها الحركة النسوية بتوقيع فلسطين على أهم الاتفاقيات الدولية.

وقالت للجزيرة نت: "نتوقع بعد انضمامنا لجميع الاتفاقيات أن يكون هناك احترام للحقوق النسوية، وما جرى من قمع ومنع للنساء من المشاركة في الوقفات، يشكل انتكاسة يتحمل المسؤولية عنها صناع القرار الذين أعطوا التعليمات لقوى الأمن بالتصدي للمسيرات".

** للاستخدام الداخلي فقط *** صورة أرشيفية لمديرة فلسطينيات وفاء عبد الرحمنوفاء عبد الرحمن: عنف الأمن الفلسطيني على الصحافيات والنساء عموما رسالة بأن "لا حصانة لأحد" (الجزيرة)

لا حصانة لأحد

وبقراءة مختلفة، تجد الإعلامية وفاء عبد الرحمن مديرة مؤسسة فلسطينيات التي تابعت قضايا الاعتداء على الصحافيات اللوائي قمن بتغطية هذه المسيرات، أن هذا العنف من قبل الأمن الفلسطيني على الصحافيات والنساء عموما رسالة لكل فئات المجتمع الفلسطيني من أحزاب ومؤسسات وشخصيات عامة واعتبارية، بأن "لا حصانة لأحد".

وترى وفاء -وهي التي تعرضت لاعتداء من قبل الأمن الفلسطيني أثناء مشاركتها في إحدى المسيرات عام 2018- بأن العنف ضد النساء من قبل الأمن ليس بالجديد، ولكن الجديد استهداف النساء بشكل خاص، بهدف تحجيم صوتهن الذي ارتفع في المطالبة بالحقوق وانتقاد فشل الحكومة في التعاطي مع القضايا الأساسية.

وأضافت للجزيرة نت: "النساء تصدرن المشهد خلال هبة مايو/أيار في كل فلسطين، وامتد ذلك في أول مسيرة احتجاجية على مقتل نزار بنات، فكن من دعا لها وقادها بالمشاركة والهتاف".

واعتبرت أن استهداف الصحافيات بهذه المسيرات كان المفتاح لقمع النساء، وفيما بعد قمع نساء بمستويات عالية من التعليم والمكانة المجتمعية، وكأنها رسالة للجميع بأن هراوات قوى الأمن لا خطوط حمراء لها، وأن لا حصانة لأحد.

المصدر : الجزيرة