بمناسبة يوم المرأة الفلسطينية.. كيف تقضي الأسيرات أوقاتهن داخل سجون الاحتلال؟

تشير الإحصاءات إلى أن الاحتلال الإسرائيلي ارتكب منذ عام 1967 أكثر من 16 ألف حالة اعتقال استهدفت المرأة الفلسطينية.

تؤمن فاطمة الزق بأهمية الفعاليات المناصرة للأسيرات في سجون الاحتلال-رائد موسى-الجزيرة نت
فاطمة الزق (وسط) شاركت في فعاليات خارجية نصرة للأسيرات لدى الاحتلال (الجزيرة)

غزة- "الأسيرة الفلسطينية في سجون الاحتلال تعيش في سجن داخل السجن.. كنا نفتقد الخصوصية، ونخشى على أنفسنا من مكر السجانين والسجانات، وأساليب المراقبة سواء البشرية أو بالكاميرات"، بهذه الكلمات استهلّت الأسيرة المحررة فاطمة الزق الحديث عن تجربتها في المعتقل.

وقالت الزق للجزيرة نت "كلنا سواسية في العذاب داخل سجون الاحتلال، لا فرق بين أسير وأسيرة، وتزداد معاناة الأسيرة كونها امرأة تحتاج إلى كثير من الخصوصية المفقودة إلى حد كبير داخل السجون".

واعتقلت قوات الاحتلال الزق عام 2007 على معبر بيت حانون (إيرز)، وخضعت لتحقيق قاس بتهمة التخطيط لتنفيذ عملية فدائية، وحكم عليها بالسجن 12 عامًا، قضت منها نحو عامين، وتنسّمت الحرية في صفقة تبادل الأسرى "وفاء الأحرار" عام 2010.

وفي اليوم الوطني للمرأة الفلسطينية، الذي يوافق 26 أكتوبر/تشرين الأول سنويا، تسجل منظمات فلسطينية وجود 33 أسيرة حاليا داخل سجون الاحتلال.

ولليوم الوطني دلالات رمزية وقيمة عريقة، فهو يجسد مسيرة المرأة الفلسطينية ونضالها وكفاحها على مرّ السنين؛ ففي مثل هذا اليوم عقد أول مؤتمر نسائي فلسطيني في مدينة القدس بتاريخ 26 أكتوبر/تشرين الأول 1929م، وسط مشاركة فاعلة وبحضور أكثر من 300 سيدة، وخرج بمجموعة من القرارات المهمة التي عبّرت عما كان شعب فلسطين يتطلع إليه، حيث شاركت المرأة الفلسطينية ضمن الفعاليات المنظمة في العمل السياسي منذ عام 1929، إثر تصاعد أحداث ثورة البراق حينئذ، وانتشارها في جميع أنحاء فلسطين؛ فتحملت المسؤولية جنبًا إلى جنب مع أبناء الشعب العربي الفلسطيني واستشهدت 9 نساء، وهدمت البيوت، وشرّدت الأسر، وزُجّ بكثيرين في السجون، من هنا بدأت مشاركة المرأة الفلسطينية في العمل السياسي؛ وحدد هذا اليوم ليخلد ذلك التاريخ.

شاركت فاطمة الزق في فعاليات خارجية نصرة للأسيرات لدى الاحتلال -رائد موسى-الجزيرة نتفعاليات فلسطنية تطالب بإنقاذ الأسيرات الفلسطينيات لدى الاحتلال (الجزيرة)

الأسيرة الحامل

لم تكن الزق تعلم وقت اعتقالها أنها حامل بابنها يوسف الذي أنجبته داخل السجن، وتقول "بالكشف الطبي تبيّن أنني حامل، لكن هذا الحمل لم يشفع لي لدى ضباط المخابرات الذين مارسوا صنوفًا وألوانًا من التعذيب ضدي".

وعانت الزق في شهور حملها من سوء المعاملة وافتقارها وهي حامل إلى التغذية الصحية، ورداءة الطعام الذي كانت تعدّه للأسيرات الفلسطينيات معتقلات إسرائيليات على خلفية جنائية.

وبعد خضوعها للشبح والتعذيب مدة 21 يومًا، منها 7 أيام أجبرت فيها على الجلوس المتواصل على كرسي صغير من الحديد في مركز تحقيق سجن عسقلان، تخللتها جلسات تعذيب بالكهرباء، ألقت قوات الاحتلال بالزق في زنزانة صغيرة.

في هذه الزنزانة التي لا تكاد تتسع لشخصين، كانت الزق مع أسيرتين أخريين، ولتقريب وصف هذه الزنزانة للقارئ، قالت الزق إن "عرضها متر واحد وطولها لا يتجاوز مترين، لا تدخلها الشمس، وكنا نتناوب على النوم، ونتبادل الحركة والجلوس".

يوسف ابن الأسيرة المحررة فاطمة الزق بعمر ثلاثة شهور داخل الزنزانة -رائد موسى-الجزيرة نتيوسف ابن الأسيرة المحررة فاطمة الزق بعمر 3 أشهر داخل السجن (الجزيرة)

ولصغر مساحة هذه الزنزانة لم يكن بداخلها مكان للاستحمام، كما في الزنازين الأكبر مساحة التي تتسع لـ8 أسيرات، وحسب الزق فإن الحمام كان خارج الزنزانة ويفتقر إلى الخصوصية والأمان اللذين تحتاج إليهما الأسيرة.

واستحضرت الزق ذاكرتها في وصف هذا الحمام، وبعد لحظات من الصمت قالت "كان الحمام عبارة عن 3 جدران، وبلا باب، وتغطيه قطعة من النايلون (البلاستيك)، فكيف يمكن للأسيرة أن تأمن على نفسها من المراقبة؟!".

وأضافت "كنا نأخذ كل إجراءات الحيطة والحرص والأمان حفاظًا على أنفسنا".

روتين يومي

وعلى سبيل الإزعاج وحرمان الأسيرات من الراحة والنوم ساعات كافية، تفرض "مصلحة السجون" على الأسيرات إجراءات يومية معقدة، وتجبرهن على الخضوع للعدّ مرات عدة في اليوم، تستهلها عند الساعة الخامسة فجرًا، وتستمر على مدار اليوم بمعدل مرة كل ساعتين إلى 3 ساعات.

وفضلا عن ذلك، تقول الزق "كانت عمليات الدهم والتفتيش الليلية المفاجئة لا تتوقف، حيث يقتحم السجانون ووحدات القمع الأقسام والزنازين وسط أجواء من الرعب والإرهاب".

وأما الزق فإنها افتقدت طوال اعتقالها، ومثلها أسيرات أخريات، القدرة على النوم المريح والمتصل، وتقول إنها كانت تنام أوقاتا قصيرة ومتقطعة، وتقضي ساعات طويلة خلال الليل في الصلاة والدعاء، وتترقب في كل لحظة اقتحام زنزانتها.

نسرين أبو كميل تجربة السجن قاسية ولكنني خرجت أكثر قوة وعزيمة-رائد موسى-الجزيرة نتنسرين أبو كميل: تجربة السجن قاسية ولكنني خرجت أكثر قوة وعزيمة (الجزيرة)

وتتفق نسرين أبو كميل -وهي آخر أسيرة تتحرر من قيود الأسر- مع الأسيرة الزق، وتقول إن تجربة السجن "قاسية ومؤلمة"، وتزداد مرارتها على النساء أكثر من الرجال، خصوصًا من لهن أبناء وأطفال محرومات من رؤيتهم.

واعتقلت سلطات الاحتلال نسرين وهي متزوجة ولها 7 أبناء، في 18 أكتوبر/تشرين الأول عام 2015، وحكمت عليها بالسجن 6 سنوات قضتها كاملة في سجن "الدامون"، بتهمة تقديم مساعدات للمقاومة في غزة.

وقالت أبو كميل -للجزيرة نت- إن مصلحة السجون تمارس كل شيء من شأنه أن يجعل السجن "نارًا"، عبر إجراءات معقدة تمسّ أدق التفاصيل؛ الأكل والشرب واللبس ومواعيد النوم والخروج إلى "الفورة"، وهو وصف يطلقه الأسرى على "الفسحة اليومية القصيرة في ساحة السجن"، لكن الأسيرات يقاومن، ويرفضن الاستسلام.

وتفرض مصلحة السجون على الأسيرات ارتداء زي السجن الموحد، كالذي يرتديه الأسرى، وهو جاكيت بني اللون، تصفه نسرين بأنه "كئيب"، وتقول "كنا نحرص غالبًا على ارتداء غطاء الصلاة، فهو أكثر سترة للمرأة، وتفضل كثير من الأسيرات النوم فيه تحسبًا من الاقتحامات الليلية".

وتعتقد نسرين نفسها أنها اجتازت تجربتها في المعتقل بنجاح، واستثمرت سنوات السجن، التي قضتها في القراءة، وحفظ 25 جزءًا من القرآن الكريم، وقالت "خرجت من هذه التجربة القاسية أكثر قوة".

يوسف في حضن والدته ويتوسط أسيرات داخل السجن-رائد موسى-الجزيرة نتيوسف في حضن والدته فاطمة الزق (وسط) ويتوسط أسيرات داخل السجن (الجزيرة)

إجراءات تعسفية

وقال مدير "مركز فلسطين لدراسات الأسرى" -رياض الأشقر- إن 33 أسيرة فلسطينية، من بينهن 7 أمهات، يعانين ظروفًا قاسية، ويتعرضن لأشكال من الظلم والاضطهاد.

ووفقًا للأشقر، فإن الأشهر القليلة الماضية شهدت تكثيفًا من جانب مصلحة السجون لعمليات الاقتحام والتنكيل بالأسيرات، ومصادرة متعلقاتهن، فضلا عن فرض غرامات مالية عليهن بحجة مخالفة قوانين السجن.

وأوضح أن أشد ما تعانيه الأسيرات هو عدم توفر الخصوصية، نتيجة وجود كاميرات مراقبة على مدار الساعة، وضعتها إدارة السجن في الممرات وساحة الفورة، فضلًا عن إقامة الحمامات خارج الغرف والسماح باستخدامها في أوقات محددة فقط.

وقال الأشقر إن الأسيرات يتعرضن للعزل الانفرادي والحرمان من العلاج والتعليم، ويواجهن التفتيش المهين.

16 ألف حالة اعتقال طالت النساء منذ النكسة-رائد موسى-الجزيرة نت16 ألف حالة اعتقال بحق النساء منذ النكسة حتى الآن (الجزيرة)

وتشير الإحصاءات إلى أن الاحتلال الإسرائيلي ارتكب منذ عام 1967 أكثر من 16 ألف حالة اعتقال استهدفت المرأة الفلسطينية.

ومن بين 33 أسيرة يقبعن في السجن حاليا، تقضي 8 أسيرات أحكامًا بالسجن لمدة تزيد على 10 سنوات، فضلا عن 8 أسيرات صدرت بحقهن أحكام من 5 إلى 10 سنوات، في حين تخضع أسيرة واحدة للاعتقال الإداري المتجدد من دون محاكمة، حسب "مركز فلسطين لدراسات الأسرى".

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

كومبو يظهر معاناة الفلسطينيات

بين صرخات الألم والبكاء المرير وبين الرسائل الصامتة على مواقع التواصل التي توضح للعالم ما يعانيه الفلسطينيون من العدوان الإسرائيلي.. هكذا تعبر فلسطينيات عن آلامهن وآمالهن بأن يتحرك العالم لنصرتهن.

Published On 17/5/2021

زهرة أبو طه التي درست الهندسة المعمارية لم تجد صعوبة بتطوير موهبتها في التطريز ودمجها بملابس عصرية، وتعليمه لصديقاتها، كونه يمثل هوية الفلسطيني، فكيف يمكن التفريط بإرث تاريخي بدأ من الكنعانيين؟

Published On 14/5/2021

الفرحة بالنصر والهدنة كانت أكبر من أن تؤجل حتى ينتهي الحزن، فانطلقت تكبيرات العيد من مآذن مساجد غزة، وخرج الصغار يحتفلون، ووسط أنقاض منزل نصرة أبو النصر “خنساء غزة” كان صوتها الشجي علامة نصر آخر قادم.

Published On 24/5/2021
المزيد من مرأة
الأكثر قراءة