طبيبات مسؤولات أقسام.. كيف يتدبرن أمورهن المهنية والحياتية؟

الطبيبة الشابة تكون عادة تحت مجهر كبير في المجتمع الشرقي لتثبت ذاتها وتفوقها (بيكسلز)
الطبيبة الشابة تكون عادة تحت مجهر كبير في المجتمع الشرقي لتثبت ذاتها وتفوقها (بيكسلز)

يقع على عاتق المرأة مسؤولية صحة الآخرين، يضاف إلى ذلك المسؤولية المهنية ومسؤولية العائلة. فالطبيبة الشابة تكون عادة تحت مجهر كبير في المجتمع الشرقي لتثبت ذاتها وتفوقها واستحقاقها في إدارة قسمها بكفاءتها.

ليال أبي زيد رئيسة قسم الخصوبة والمساعدة على الإنجاب، وشادية بعيني صفا قسم الكلى وغسيل الكلى، طبيبتان شابتان كل منهما مسؤولة قسمها تتحدثان للجزيرة نت عن مسيرتهما الحافلة بالتحديات والإصرار وصولا للنجاح وتولي رئاسة القسم.

الدكتورة ليال أبي زيد لا يفارقها الهاتف استعدادا للحالات الطارئة (الجزيرة)

عملت مجانا

تقول الطبيبة ليال أبي زيد (42 عاما) إن الطب كان خيارها منذ صغرها. وقد تخصصت في أمراض العقم ولكنها ترفض كلمة "عقم" وتفضل استبدالها بالمساعدة على الإنجاب. كما تخصصت أيضا في الصحة الجنسية والإنجاب المختبري البيولوجي لارتباطهما بشكل وثيق باختصاصها، ولتكون قادرة على إحاطة موضوع الإنجاب من كل جوانبه.

في العام 2006 وقبل اكتسابها الجنسية الفرنسية، عملت 6 أشهر مجانا في باريس، كما تدرجت في أحد أشهر المستشفيات هناك على يد البرفسور رينيه فريدمن المعروف بأنه أول من أنتج طفل أنبوب والأجنة المحفوظة بطريقة التجميد، والبروفسور جمال الأيوبي، إضافة إلى أطباء يعتبرون مرجعا في هذا المجال.

الدكتورة ليال أثناء مشاركتها في برنامج "الأطباء" (الجزيرة)

تحديات وشغف

في العام 2010، وبعد أن أنجبت ابنتها، تلقت عرضا من الدكتور أنطوان معلوف مدير مستشفى المشرق في لبنان، لرئاسة قسم الخصوبة والمساعدة على الإنجاب بعد توصيات من فريدمن فعادت إلى لبنان، وشكل ذلك بالنسبة لها فرصة، وكان بمثابة تحدٍ كبير لأنه عليها البدء من الصفر.

ومن بين التحديات كما تقول للجزيرة "إنني امرأة وصغيرة السن -32 عاما- حينها، لكني كنت ولا أزال أحب هذا العمل وأتعاطى مع مهنتي بشغف ولا أشعر أنه واجب".

كما واجهت عدة عقبات، فبعد أن كان التركيز في السابق مهنيا وعلميا بحتا، تغير الوضع لاحقا فكان عليها الدخول في المشاكل التي تواجهها المريضات، ليس من الناحية الطبية فحسب بل من النواحي الاجتماعية والاقتصادية في كثير من الأحيان، فبعضهن لا يستطعن دفع تكاليف معينة، "ولم أتردد بأخذ إجراء الفحوصات اللازمة على عاتقي"، تقول للجزيرة نت.

والتحدي الآخر كان تأمين نسبة عالية من النتائج الإيجابية للحمل لكسب النجاح والثقة، وهو ما تعتبره ليال تحديا مستمرا.

صناعة الفرق

أما التحدي الثالث فتقول إنه كان في عدد الحالات الصعبة التي كانت تأتي إليها بسبب صغر سنها، "بمعنى أن النساء كن يفضلن الذهاب أولا إلى أطباء معروفين، وإذا تعذر تحقيق النتائج المطلوبة لعدة مرات، فإنهن يلجأن لمن هم أقل شهرة في المجال، وكان أكبر وأجمل تحد لي أن أصنع فرقا في هذه الحالات".

وتتابع ليال تطوير مهنتها دائما من خلال القراءة وعبر أصدقاء لها هم أطباء في أوروبا يدعونها دائما إلى مؤتمرات، وأحيانا تستشيرهم في بعض الحالات. وتعتبر نفسها دائما طالبة معرفة وعلم في مهنتها مع الاكتشافات والأدوية الجديدة.

وتقول "تأتي السيدات إليّ لأنني أتفهم حتى مشاكلهن الصغيرة خاصة بالحالات الحميمة، فلا يخجلن من التحدث مع امرأة، خاصة كوني أمّا وأتفهم شعورهن تجاه فكرة الإنجاب وتأثير الهرمونات عليهن".

إلغاء الاجتماعيات

وعن إدارة الوقت تقول ليال إنها تعيش من أجل عائلتها وعملها ومرضاها، فقد ألغت كل ما يتعلق بالعلاقات الاجتماعية ولا تلبي الدعوات لأن تلبيتها تكون على حساب عائلتها.

وتستجيب ليال للطوارئ دائما، وقد توقفت عن التوليد منذ 2008 للتركيز على تخصصها في المساعدة على الإنجاب والصحة الجنسية. وتقول إن ابنتها كانت تنزعج سابقا إلى أن أصابتها حالة طارئة مرافقة بألم شديد بعمر 5 سنوات وجاء طبيبها في الليل، وهذا ساعدها على تفهم موضوع غياب أمها عن المنزل بداعي العمل.

تشارك ليال في برنامج  "الأطباء" (The Doctors) الذي يركز على التوعية العملية والبسيطة من دون تكلف. وتحضر معها ابنتها أحيانا إلى الإستوديو، كما أنها لا تقفل هاتفها للحالات الطارئة. ولا تعد الاهتمام بنفسها ومكياجها مهما "أتكل على مظهري الطبيعي، ولا وقت لدي للمكياج، وهو ليس من الأساسيات عندي".

الدكتورة شادية بعيني صفا تعمل على تحديث معلوماتها بشكل يومي (الجزيرة)

الخلفية العلمية والضمير

من جهتها، تخبر الطبيبة شادية بعيني صفا (38 عاما) رئيسة قسم الكلى وغسيل الكلى في مستشفى بيلفو الطبي أنها عادت من فرنسا بعد تخصصها، وكانت المستشفى بصدد تأسيس قسم للكلى، ونظرا إلى توصيات أوكلت إليها هذه المهمة وعمرها وقتها (31 عاما)، وكانت رئيسة قسم غسيل الكلى وبعد 3 سنوات أصبحت رئيسة القسم كاملا.

كان لدى شادية خوف وقلق في البداية من المسؤولية واتخاذ القرارات وإدارة القسم بفريقه ومرضاه، ولكن ما جعل الأمر يسير بشكل جيد هو الخلفية الطبية والضمير الإنساني والاطلاع الدائم.

لم تتعرض شادية لمحاربة إنما لاختلاف بالرأي خاصة من الأطباء الأكبر سنا وخبرة. وتقول إنه من المهم اتباع طريقة لإثبات الرأي مدعما بالأسلوب العلمي، "فإذا كان الأسلوب أخلاقيا أولا ومهنيا ثانيا مرتكزا على العلم والمنطق يستطيع الشخص إقناع غيره حتى لو كان أصغر سنا وأقل خبرة".

كما تعمل شادية على تحديث معلوماتها بشكل يومي، وتقول إنها لا تنام قبل قراءة مقال أو تقرير جديد، خاصة أن الاختبارات والعلاجات والأدوية تتطور يوميا. وتعتبر أن ذكاء المرأة يساعدها أكثر بطرح رأيها بطريقة سلسة وتفرض رأيها ويسمعها الجميع.

الدكتورة شادية بعيني وطفلاها، تعتبر أن تنظيم الوقت بين البيت والعيادة والمستشفى ليس سهلا (الجزيرة)

أغلب المرضى الذين تتعاطى معهم هم كبار السن من مرضى الضغط والكلى، لم تواجه مشكلة ثقة مع المرضى، وتستطيع إيصال فكرتها بشكل أبسط وأسلس إضافة إلى حنان المرأة وتعاطفها يريح المريض ويقنعه، شرط أن تكون متمكنة ومقتنعة بما تقوله وتعرف كيف توصله.

في بداياتها كان بعض المرضى يتشككون بسبب صغر سنها، ولكن بعد حديث 5 دقائق يتغير الوضع بسبب الطريقة أولا والنتيجة ثانيا مما يكسبها الثقة. "أحيانا صغر العمر يلعب دورا مختلفا إذ يعتبر المريض أن لدي الأطباء الأصغر سنا وقتا أكثر ومرضى أقل وصبرا أكبر"، تقول شادية للجزيرة نت.

وتعتبر أن تنظيم الوقت بين البيت والعيادة والمستشفى ليس سهلا، ولا يمكن التقصير في أي منهما، فالمهم هو التوازن وتعويض الغياب، "فإذا كان العمل كثيفا في المستشفى واضطررت للبقاء أحاول التعويض في اليوم التالي، بجعل زوجي يشعر بوجودي وبالاهتمام بالأولاد والطبخ والتدريس، وبالنهاية لسنا "سوبر ومن" (نساء خارقات) ولدينا طاقات معينة"، تقول شادية.

وتحاول جهدها ألا تقصر في عملها، فإضافة إلى كونه مهنة، هو عمل إنساني لا يمكن التقصير به رغم التعب. وتتفهم عائلتها فكرة الطوارئ، ويفهمون أنها حياة إنسان تتعلق بوجود الطبيب، وتشير إلى أن طوارئ الكلى أقل بكثير من أطباء القلب والنساء والأطفال.

وعن اهتمامها بنفسها كامرأة تقول "مهما كبرت السيدة ووصلت لأعلى المراكز يبقى أجمل إحساس أن تشعر بأنها امرأة في اهتمامها بنفسها ولباسها، وهذا مهم، وأنصح المرأة ألا تنسى أنها امرأة في كل تفاصيلها لتشعر بجمالها مهما كانت مأخوذة بعملها، لأنه ينعكس إيجابا على نفسيتها وعائلتها وعملها أيضا".

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من مرأة
الأكثر قراءة