موزة الربان.. اسم لامع في الفيزياء الذرية النظرية والبحث العلمي بقطر والوطن العربي

الدكتورة موزة الربان: الفيزياء أم العلوم واللغة العربية قادرة على مواكبة العلم (الجزيرة)
الدكتورة موزة الربان: الفيزياء أم العلوم واللغة العربية قادرة على مواكبة العلم (الجزيرة)

تؤمن الدكتورة موزة الربان بضرورة تحقيق نهضة علمية عربية تبدأ بتبني مشروع حضاري وإرادة حقيقية، وتسهم في إيجاده الحكومات ورجال الأعمال والمؤسسات البحثية.

والعالمة القطرية موزة الربان، اسم بارز في سماء البحث العلمي في قطر والوطن العربي، فهي تحمل درجة الدكتوراه في الفيزياء الذرية النظرية، ترأست قسم الفيزياء بجامعة قطر لعدة سنوات، إلا أن اسمها ارتبط أكثر بمنظمة المجتمع العلمي العربي التي كانت من مؤسسيها وترأستها منذ انطلاقها إلى اليوم.

كما تعمل أستاذة زائرة في معهد كريول في جامعة فلوريدا الوسطى (UCF) بمدينة أورلاندو في ولاية فلوريدا الأميركية.

بإضاءتها على إسهامات منظمة المجتمع العلمي العربي، تبرز ما حققته المنظمة من أهداف ترى فيها لبنات المجتمع العلمي.

فإلى الحوار:

كيف تعرفين عن نفسك في كلمات؟

موزة بنت محمد الربان، مسلمة عربية قطرية، ولدتُ وترعرعت وعشت عمري كله في وطني الغالي قطر، وأكملت فيه دراستي من الابتدائية للبكالوريوس، وتعلمت في مدارس حكومية وجامعة وطنية وباللغة العربية.

ومن الناحية الشخصية، أحب الحياة وكل ما خلق الله سبحانه من إنسان وحي وجماد، أحب الصدق والمصداقية والجديّة والأمانة والعطاء، ولا أحب المظاهر الجوفاء والنفاق الاجتماعي والأنانية، أفتخر بالقيم الإسلامية والعربية الأصيلة والحضارة واللغة العربية.

أحب الاعتماد على الذات، وأؤمن أن النهضة العربية أساس للنهضة الإسلامية، ولن تكون -بعد توفيق الله وعونه- إلا بإرادتنا وهمتنا نحن، وليست من الخارج.

تحملين درجة الدكتوراه في الفيزياء الذرية النظرية.. كيف تقربينا من هذا المجال الدقيق؟

أحببت الفيزياء والرياضيات منذ صغري، ربما لأنها تتوافق مع طريقة تفكيري، والفيزياء من العلوم الأساسية وتسمى أم العلوم، فكل شيء في الكون مكون من ذرات بما في ذلك الكائنات الحية، وكل ذرة مكونة من نواة موجبة الشحنة ومحيط من الشحنات السالبة تسمى إلكترونات.

وهذه الإلكترونات تتوزع وتتحرك حسب قوانين فيزيائية صارمة تخضع للطاقة، وهي المسؤولة عن صفات العنصر الطبيعية والكيميائية وبالتالي عن كل التفاعلات وما ينتج عنها من مواد ومركبات وأشعة منبعثة أو ممتصة، ويكاد يكون كل الطيف الكهرومغناطيسي من أطول موجاته إلى أقصرها عند الأشعة السينية صادرا عن حركة الإلكترونات حول النواة، والفيزياء الذرية النظرية تدرس هذه الحركة ومستويات الطاقة والتنبؤ بنوع الأشعة وكل ما يتعلق بها، وهذا موضوع رسالتي في الدكتوراه، ومنها دراسة إمكانية الحصول على ليزر الأشعة السينية من بعض السلاسل الذرية.

تدرجتِ في عدد من المناصب في قطر وخارجها.. ما أبرزها؟

في قطر، كنتُ عضو هيئة تدريس في قسم الفيزياء بجامعة قطر، وشغلت منصب رئاسة القسم فيه لعدة سنوات. كما كنت عضو اللجنة الإستراتيجية العليا للبحث العلمي في مؤسسة قطر، برئاسة الشيخة موزا بنت ناصر، كما كنت مشرفة على بحوث المياه فيها، لسنتين تقريبا.

وعملتُ أستاذة زائرة في معهد كريول في جامعة فلوريدا الوسطى (UCF) بمدينة أورلاندو في ولاية فلوريدا الأميركية، وأشغل منصب رئيسة منظمة المجتمع العلمي العربي منذ تأسيسها في 2010 إلى اليوم، ورئيسة تحرير المجلة العربية للبحث العلمي التي تصدرها المنظمة.

 

الدكتورة موزة الربان ترى أن توطين العلم أساس لأي تقدم علمي عربي -الصورة من مشاركتها في أحد المؤتمرات العلمية  (الجزيرة)

ما أبرز البحوث والدراسات التي صدرت لك؟

نشرت بالتعاون مع مجموعة دولية ومقرها جامعة فلوريدا الوسطى (UCF) عدة أوراق بحثية حول الأشعة الفوق البنفسجية القصيرة جدا، كان الهدف منها الحصول على مصدر لهذه الأشعة، يمكن استخدامه من النقش على شرائح إلكترونية، لإنتاج جيل جديد من التقنيات التي تستخدم في الاتصالات وغيرها، كما ساهمتُ كمؤلف رئيسي في كتاب دولي شارك فيه الرواد في هذا المجال عبر العالم.

وشاركتُ في العديد من المؤتمرات الدولية لهذا الغرض، وكنت ألاحظ غياب الجامعات والمؤسسات البحثية العربية عنها للأسف، وحضورا مكثفا لشركات وجامعات ومراكز بحوث من الشرق والغرب، وأسأل نفسي، أين نحن العرب من هذا السباق المحموم؟!

وبعيدا عن الفيزياء، كتبتُ ونشرتُ الكثير من الدراسات والبحوث فيما يخص وضع العلم في الدول العربية، وهي دراسات تهتم بإنتاج العلم والبحوث المنشورة وتخصصاتها والمتميز فيها في الوطن العربي، كما نشرت كتابا بعنوان "دليل الكتابة والنشر في المجلات العلمية"، كان له أثر كبير ولله الحمد في أوساط الباحثين العرب.

العالمة القطرية الدكتورة موزة الربان تعتقد بضرورة توطين العلم كجزء من ثقافة المجتمع (الجزيرة)

وما سبب غياب الباحثين العرب عن المؤتمرات العلمية المتخصصة؟

هذا يرجع لعدم وجود إرادة للإنتاج وعدم وجود سياسة علمية، سواء على مستوى الدولة الواحدة، أو على مستوى مجموعة دول عربية.

لذا يجب إيجاد مجتمع علمي فاعل يستطيع أن يساهم في إيجاد حلقة وصل بين العلم ومتخذي القرار ورجال الأعمال من جهة، وبين العلم والمجتمع من جهة أخرى، ويستطيع أن يساهم فعليا في المساهمة في الاقتصاد والإنتاج وحل المشاكل البيئية والصحية وغيرها، والإسهام في وضع سياسة علمية وأهداف عليا للدول، وإيجاد مجتمع المعرفة وتطويره.

لماذا أسست الدكتورة موزة منظمة المجتمع العلمي العربي؟

كنتُ واحدة من المؤسسين، وكان بينهم اثنان من الأساتذة الذين كان لهم دور كبير في فكر وفلسفة المنظمة، هما الأستاذ الدكتور أنطوان زحلان والأستاذ الدكتور رشدي راشد، وقد قامت منظمة المجتمع العلمي العربي على أساس فكري وفلسفي وعلمي.

والمجتمع العلمي هو كيان يضم مجموعة من الباحثين في أي تخصص يضبط العلاقات بينهم ومع غيرهم من كيانات المجتمع، ووطننا العربي يفتقر لهذا المجتمع، فرغم كثرة الجامعات والباحثين فإنه لا يجمعهم رابط، ولا يعرفون بعضهم وليس بينهم علاقات تعاون إلا ما ندر وغالبا بشكل فردي.

وبرأيي، هذا يؤدي إلى ضعف الإنتاج العلمي وتأثيره على واقع الحياة، وضعف العلاقة بين الجامعات ومراكز البحوث وبين متخذي القرار.

وتسعى المنظمة لتعريف الباحث أنه جزء من كل وتعرف الباحثين العرب ببعضهم وتنسج بينهم الخيوط وتسعى لتقويتهم عقدا وخيوطا، فالمجتمع وليس التجمع هدفنا، ونحن نؤمن ألا تطور علميا إلا بوجود مجتمع علمي مؤهل لاستيعاب العلم والبناء عليه، كما نؤمن ألا معنى لنقل العلم بل توطين العلم، إذ إن العلم تحمله العقول وليس المباني والأجهزة رغم أهميتها.

بعد 10 سنوات من عمر المنظمة.. هل يمكن جرد بعض إنجازاتها؟

بحمد الله، استطاعت المنظمة أن تستقطب أعدادا كبيرة من الباحثين العرب داخل الوطن العربي وخارجه وتربط بين ذوي الاختصاصات والاهتمامات المتقاربة، سعيا لتكوين شبكات وجمعيات علمية متخصصة هي لبنات المجتمع العلمي.

وأصدرت مجلة علمية محكَّمة باللغة العربية بأعلى المعايير معترفا بها دوليا، ووفرت من خلال الموقع الإلكتروني والمجلة والمنشورات الإلكترونية المختلفة منصة للباحثين العرب لينشروا أبحاثهم ويتبادلوا الفكر والمعلومات، إضافة لنشر الثقافة العلمية الرصينة لغير المتخصصين من خلال تبسيط العلم وتشجيع الصحافة العلمية والتدريب عليها.

كما خدمت المنظمة اللغة العربية العلمية من خلال نشر المقالات العلمية والبحوث بلغة عربية فصحى، وهذا يعزز نشر العلم والمعرفة والمحتوى العربي في شبكة الإنترنت، ولديها وحدة للدراسات تقوم بدراسات حول البحث العلمي العربي، التي قلّ نظيرها في وطننا العربي.

إضافة للمشاريع الواقعية على الأرض، فقد بدأت المنظمة تطوير فلسفة خاصة بمشاريع تنموية تهدف لتمكين الباحثين العرب ومؤسساتهم البحثية من خدمة المجتمع والإسهام في الاقتصاد الوطني وحل المشاكل البيئية والصحية، مما يعود إيجابا على اقتصاد الدولة وما يترتب عليه من أمن اجتماعي وغذائي وصحي من جهة ومستوى البحوث العربية من جهة أخرى.

علامة بارزة للمنظمة، هي إطلاقها جائزة سنوية على مستوى الوطن العربي، ويضاف إلى كل ما سبق تسليطها الضوء على معاناة المجتمع العلمي العربي أفرادا ومؤسسات تحت الظروف الاستثنائية كالحروب والتهجير والنزوح والفقر، والسعي لحشد جهات عربية يمكنها المساعدة.

 

مشاكل البحث العلمي في الوطن العربي متشابكة.. أين تكمن أزمة البحث العلمي، وكيف نطورها؟

ذلك راجع لعدم وجود مشروع حضاري عربي ورؤية وإرادة حقيقية من الحكومات ورجال الأعمال والمؤسسات البحثية لتبني نهضة حقيقية وليست ظاهرية في شكل المباني واستيراد التقنيات الحديثة.

وأعتقد أن توطين العلم أساس لأي تقدم، وهو مرتبط بثقافة وإرادة وسعي وجهد، وليس كلاما، ويجب وضع سياسة علمية واضحة الأهداف والوسائل.

عربيا، الأمور متداخلة، فغياب نظام يحترم عقل وفكر الإنسان العربي ويعترف بحقه في بناء مستقبله كشعب وليس أنظمة حكم تتمحور حولها كل أنشطة الدول ومؤسساتها، وهذا التشرذم العربي يخيّم بظلاله وآثاره الكارثية علينا، ويجب علينا أن نعرف أنه لا يمكن لدولة عربية واحدة أن تقف وحدها، فلا بد من تعاون وتكامل علمي بينها وتكوين جمعيات علمية، تضم العلماء والباحثين من مختلف الدول العربية دون استثناء.

 

على المستوى الخليجي والعربي.. ما الآلية لتطوير البحث العلمي وتحقيق التكامل في المجالات العلمية؟

أجريت دراسات، ونشرت مقالات في هذا الموضوع، وكانت لنا محاولات مع الأمانة العامة لمجلس التعاون ووجدت ترحيبا، لكنها لم تكتمل.

وحسب رؤيتنا فإن دول مجلس التعاون مؤهلة بدرجة كبيرة لتكون نواة للتعاون العلمي العربي، فغني عن القول أنها كيان واحد والتعاون العلمي بين عقول وشعوب المنظومة الخليجية يجب أن يكون من أهم اهتمامات وإنجازات المجلس.

وأولى الخطوات هي المعرفة والتعارف بين الجامعات ومراكز البحوث بجميع تخصصاتها، وتأسيس جمعية علمية أو مجلس هدفه ضم الجميع تحت مظلته وأن يعمل بجد لخلق الروابط والتكامل وتبادل الخبرات وتبادل الطلاب والأساتذة.

وقبل كل شيء وضع سياسة علمية موحدة هدفها البناء والنهوض وربط العلم ومخرجاته بالاقتصاد وحاجات المجتمع، وأن يدخل العلم كل مجالات الحياة بصورة عملية تطبيقية، وهذا يعني تبني سياسة الإنتاج والاكتفاء الذاتي والاعتماد على الذات بدل الاستهلاك والاستيراد والاعتماد على الغير.

فمن بين الدول العربية، دول لديها مال وتملك مختبرات متقدمة ولكنها تفتقر لعدد الباحثين ونوعياتهم، ودول تملك ثروة بشرية ولكنها لا تملك الإمكانيات اللازمة للبحوث، وجامعة تمتلك جهازا كبيرا باهظ الثمن وأخرى تمتلك غيره، فبدلا من أن تشتري كل جامعة جهازين، يمكن للطالب أن يجري بحوثه بالتعاون بين الجامعتين، فالتكامل حل، ولا يمكن تصور الفوائد والمصالح وحجم توفير الأموال، فضلا عن التآلف والتكاتف وبناء الثقة والمحبة بين الشعوب العربية، فالعالم كله يتكتل.

 

تشددين على ربط البحث العلمي باللغة العربية.. فهل هي قادرة على مواكبة حقول المعرفة اليوم؟

يستحق الشفقة فعلاً، من يقول إن اللغة العربية غير قادرة على مواكبة العلم، فهل هناك مجتمع في العالم يستحق أن يسمى مجتمعا إذا لم تكن له لغة؟! كيف يمكننا القول إن هذا مجتمع علمي عربي وهو يتكلم بغير العربية؟!

وأنا سأضرب مثالا، هل هناك مجال للمقارنة بين اللغة العربية واللغة العبرية، على الأقل من حيث عدد المتحدثين بها، وتاريخها العلمي والحضاري؟!

وقبل تأسيس دولة الكيان الصهيوني، هل كانت هناك دولة لغتها الرسمية هي العبرية؟! ومع ذلك تم إرساء حجر الأساس للجامعة العبرية في القدس عام 1918، والحرب العالمية الأولى تدور رحاها، لتدرس كل التخصصات العلمية وغير العلمية باللغة العبرية، ودلالة هذا المثال أكبر من أي كلام.

 

لسنوات عديدة ترأست الربان قسم الفيزياء بجامعة قطر  (الجزيرة)

كيف يمكننا تغيير النظرة السلبية للغة العربية، ومن المسؤول عن جعلها لغة علوم حديثة قادرة على المنافسة؟

الدور الأكبر يقع على عاتق الحكومات والإرادة السياسية والإعلام لتوعية الناس، فالعضلة التي لا تستخدم تضمر وكذلك اللغة، فلو تبنت الجامعات تدريس العلوم باللغة العربية، وأصدرت المجلات العلمية باللغة العربية، وحين تحتاج للمصطلحات لدينا مجامع لغوية وأساتذة يمكنهم إيجادها واعتمادها.

فكل لغات العالم التي تحترم نفسها تضع المصطلحات العلمية المستجدة بشكل مستمر، ويجب أن تكون موحدة في جميع الأقطار العربية، ومرة أخرى الإرادة السياسية ضرورية، نحن أمة كبيرة وعريقة ولديها إمكانيات ضخمة، ولكن تنقصها الإرادة والاعتزاز بالهوية.

 

ما الرسالة التي توجهينها للباحثين في الوطن العربي؟

العلماء والباحثون يحملون أمانة عظيمة، هي الوصول للحقيقة لأجل عمارة الأرض والإسهام في الحضارة الإنسانية، وهذا يستلزم الاتقان وجدية البحث والصدق والشفافية والأمانة العلمية.

وهذا يستلزم أن تكون العلوم نافعة تبني وتعمّر وتزيل الأذى والتلوث المادي والفكري والخلقي، فالعلم بلا دين وخلق هو دمار ومهانة، والعلم يرفع من يرفعه، والحمد لله هذا ديننا، والعلم عبادة يجب أن يُبتَغى بها وجه الله.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

أسهمت جائزة الشيخ حمد للترجمة والتفاهم الدولي منذ تأسيسها في العاصمة القطرية عام 2015، في إعادة القيمة لدور الترجمة التاريخي، وهي جائزة عالمية يشرف عليها مجلس أمناء ولجنة تسيير ولجنة تحكيم مستقلة.

احتلت المرتبة الثالثة في منافسات برنامج “نجوم العلوم” التلفزيوني التعليمي، الذي تنظمه مؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع، وبهذا أصبحت المهندسة إيمان الحمد أول قطرية تصل إلى نهائيات المسابقة.

المزيد من مرأة
الأكثر قراءة