بتكتيكات وخطط متشابهة.. هكذا حوّل كورونا ربة المنزل إلى وزيرة للمالية

لم تعد فاتورة الاحتياجات المنزلية الشهرية ما قبل كورونا تشبه نظيرتها في الوقت الراهن، بعد انكماش معظم الرواتب (الجزيرة)
لم تعد فاتورة الاحتياجات المنزلية الشهرية ما قبل كورونا تشبه نظيرتها في الوقت الراهن، بعد انكماش معظم الرواتب (الجزيرة)

على وقع تأثيرات وتداعيات فيروس كورونا السلبية على مختلف المجالات الاقتصادية والمالية، تبدلت الكثير من الأمور والمعطيات في حياتنا اليومية، بدءا من تعابير وملامح المسؤولين الحكوميين الذين لم يواجهوا أزمة مماثلة من قبل، مرورا بتفاقم تحديات ومصاعب بيئة الأعمال التشغيلية لكافة أنواع الشركات العاملة في الأسهم والاستثمار والعقار والخدمات المالية والاتصالات والنقل والدعاية وغيرها، وصولا إلى الخطط الشهرية البسيطة والمتواضعة جدا لربّات الأسر أنفسهن.

شيئا فشيئا، تغير الكثير من تفاصيل المشهد الملبد بالأعباء المادية المتزايدة، إذ لم تعد فاتورة الاحتياجات المنزلية الشهرية ما قبل كورونا تشبه نظيرتها في الوقت الراهن، خصوصا أن معظم الرواتب انكمشت وتقلصت كحال إيرادات ومداخيل الدول النفطية وغير النفطية، في حين أن أسعار غالبية السلع الغذائية والمواد الأساسية ارتفعت بشكل جنوني في بعض الأحيان.

العجز الكبير في الميزانيات العامة لغالبية الدول انسحب على ميزانيات الأسرة أيضا (الجزيرة)

زمن العجز

وبينما كانت الأسعار تتضخم وتصعد، كانت القدرات الادخارية -على الرغم من هامشيتها- "تتقزم"، لتدخل الموازنات الأسرية رويدا رويدا زمن العجز من بابه العريض على قاعدة "الخارج أكثر بكثير من الداخل".

وانسحب العجز الكبير في الميزانيات العامة لغالبية الدول -ولا سيما الخليجية منها بفعل هبوط أسعار النفط إلى مستويات غير مسبوقة قبل عدة أعوام- على الموازنات الأسرية نفسها، مع فارق أساسي ومفصلي يتمثل في اختلاف حجم الأرقام وكمّ الأصفار الهائل بينهما.

وأمام هذا الواقع المستجد نوعا ما، قرر كل من وزير المالية في الحكومة الكبيرة، ووزير المالية في الحكومة الصغيرة (ربة المنزل) ضبط وشد حزام النفقات وترشيد الاستهلاك بأكبر قدر ممكن، في محاولة للحفاظ على الإيرادات المتآكلة أصلا بهدف تقليل نزيف الخسائر المتصاعد يوما بعد آخر.

اضطرت العائلات للاستعانة بمدخراتها كي تتمكن من دفع الإيجار والفواتير الشهرية (الجزيرة)

اللجوء للمدخرات

تقول أم فهد -وهي وافدة فلسطينية تعيش في الكويت منذ 45 عاما تقريبا، وتعمل في إحدى عيادات التجميل- "لقد انقطع راتبي كليا على مدى 4 أشهر بسبب إغلاق العيادة قسريا، في إطار الإجراءات الحكومية الرامية إلى منع تفشي فيروس كورونا".

بينما كان زوجها -الذي يعمل محاسبا في إحدى شركات الإنشاءات- يتقاضى طوال تلك الفترة نصف راتبه الذي يبلغ 750 دينارا فقط (2400 دولار)، أي أن مدخول الأسرة لم يكن يزيد على 375 دينارا (1200 دولار).

وعلى غرار لجوء وزراء المالية إلى الصناديق الاحتياطية لتمويل النفقات، توضح أم فهد للجزيرة نت أن مهمتها في تدبير شؤون المنزل طوال الفترة الماضية لم تكن سهلة، فقد اضطرت أكثر من مرة للاستعانة بمدخراتها ومدخرات زوجها للتمكن من دفع الإيجار والفواتير الشهرية، إلى جانب تأمين المتطلبات والحاجيات اليومية من مأكل ومشرب وغيرها من مصروفات أساسية وضرورية.

وتؤكد السيدة الخمسينية أنها عمدت إلى تقليص كميات اللحم والأسماك والخضار والفاكهة التي اعتادت أن تشتريها في زمن ما قبل كورونا، فضلا عن الاستغناء والامتناع عن شراء بعض المواد والسلع الأخرى التي قد توضع في خانة الكماليات في ظل الظروف الراهنة، كالمكسرات والحلويات، بغية ضغط الفاتورة الشهرية وتقليصها أكثر فأكثر.

وهذا ما يفعله وزير المالية الذي يسارع أيضا خلال الأزمات إلى إصدار تعميمات إلى كافة الوزارات والجهات والإدارات الحكومية، تشدد على ضرورة ترشيد الاستهلاك وضبط النفقات ومنع اعتماد ميزانية جديدة لأي مشاريع مستقبلية وتجميد المكافآت السنوية للموظفين، بالإضافة إلى وقف بعض المشاريع التي يمكن التخلي عنها وتأجيلها إلى وقت لاحق.

بسبب الأزمة الاقتصادية الحادة تحاول الأسر ضبط النفقات الشهرية (الجزيرة)

الاقتراض

تكتيك أم زياد هي الأخرى لا يختلف كثيرا عن خطط أم فهد في تدبير شؤون بيتها، فالسيدة السورية التي فقد زوجها عمله قبل 3 أشهر بسبب الأزمة الاقتصادية الحادة، تحاول بشتى السبل ضبط النفقات الشهرية بنسبة تكاد تقترب من 40%، كما تقول للجزيرة نت.

وتبين أم زياد -التي تركت عملها مدرّسة منذ زمن بعيد للتفرغ لمنزلها وأولادها- أن "مدخرات العائلة المتواضعة في المصرف ساعدت أسرتها على الصمود إلى حد كبير"، ولكن ذلك لم يمنعها من الاستدانة والاقتراض من جاراتها على أمل أن تتمكن من سد هذه الديون المتراكمة عندما تستقيم الأمور وتعود لطبيعتها في المستقبل القريب.

حيلة السيدة السورية يلجأ إليها كذلك وزير المالية، ولكن تحت اسم السندات أو الصكوك، على أن يدفع مجبرا فوائد من خزينة الدولة مقابل هذه الديون، في حين لا تفعل أم زياد ذلك بحكم متانة علاقتها بجاراتها.

كثير من الأسر وجدت أن بيع الذهب خير معين لها خلال أزمة كورونا لتسديد المستحقات المترتبة عليها (الجزيرة)

تسييل أصول

من ناحيتها، تروي سوسن -لدى سؤالها عن كيفية تعاطيها مع ما جلبته أزمة كورونا من تداعيات كثيرة في مقدمتها تراجع المداخيل- قصتها مع شراء "المعدن الأصفر"، قائلة "كنت أحرص كل 4 أو 5 أشهر على شراء أي قطعة من الذهب بدلا من صرف أموالي على شراء الألبسة والأطعمة والوجبات السريعة وغيرها، وقد وجدت هذه المجوهرات خير معين لي في هذه الأزمة، فكلما احتجت مبلغا من المال لتسديد المستحقات المترتبة علي أقوم ببيع قطعة ذهبية للوفاء بها".

وعلى هذا الدرب يمضي وزير المالية الذي يلجأ لتسييل الأصول من عقارات وأسهم وحصص في شركات محلية وعالمية سبق أن استثمرت فيها الدولة أيام الرخاء، للحصول على "النقد" بهدف تمرير المرحلة الصعبة بأي شكل من الأشكال، على أن يعيد ترميم محفظة بلاده الاستثمارية مجددا بعد العودة إلى زمن التعافي الاقتصادي مع تحسن أسعار النفط.

كثيرة هي نقاط التشابه بين سعي وزير المالية الحثيث إلى ضبط النفقات وتحسين الإيرادات وتقليل العجز في ميزانية بلاده في ظل تداعيات أزمة كورونا، وبين جهود كل ربة منزل تحاول ترشيد المصاريف والنفقات اليومية والشهرية وتدبير أمور بيتها لتجاوز المحنة والتحديات الراهنة بأقل الأضرار والخسائر.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من أسرة
الأكثر قراءة