تاريخ القبح.. حان وقت الحديث عن النساء غير الجميلات

عبر التاريخ، كان عدم امتلاك المرأة صفات الجمال المعتادة يضعها في مصاف الشريرات (مواقع التواصل)
عبر التاريخ، كان عدم امتلاك المرأة صفات الجمال المعتادة يضعها في مصاف الشريرات (مواقع التواصل)

بإمكانك ملء مكتبة كاملة بكل ما كتب عن الجمال، في المقابل يتجنب الكثيرون الخوض في موضوع القبح لأنهم لا يحبذونه.

في مقابلة أجرتها الكاتبة إيميلي بروز مع الدكتورة في علم الاجتماع كلودين ساغارت ونشرتها صحيفة "نوفال أوبسرفاتور" الفرنسية، تقول الدكتورة إن "القبح ما زال من الموضوعات المحظورة. نحن لا نتحدث عنه إلا بشكل سري، على الرغم من وجوده بشكل كبير".

ومن ثم، تدعونا مؤلفة كتاب "تاريخ قبح الأنثى" -وهو عمل مرجعي نُشر عام 2015- إلى الخوض في خبايا القبح.

وفي سؤالها عن اعتبار القبح إهانة وعن معنى عبارة "أنت قبيح" أو "التهجم على شكل المرأة" على الإنترنت أو في الشارع، ردت ساغارت بأنه منذ القدم وحتى الآن، تُختزل هوية المرأة في جسدها ومظهرها الخارجي، وهو ما يؤكده الفيلسوف الألماني إيمانويل كانت، حيث قال إن المرأة يجب أن تكون جميلة، وإنها خلقت للإغواء، بل أضاف أن تطوير قدراتها الفكرية من شأنه أن يجعلها قبيحة؛ وقد كان هذا النوع من الخطاب متكررا في تاريخ العقليات.

الجمال والغباء

علاوة على ذلك، غالبا ما توصف الفتيات الجميلات بالغباء. وبالتالي، تلخص مقولة "كوني جميلة واصمتي" صورة المرأة التي تُختزل في جسدها.

وعن المعاني التي قد يعنيها القبح، ذكرت ساغارت أنه ينبغي العودة على 25 قرن من الكتابة -الذكورية في أغلبها- لفهم كيف ارتبط القبح بالنساء. وقد ذُكر ذلك في الأساطير اليونانية، فأول امرأة بشرية (باندورا) قدمها زيوس لإبيميثيوس كعقاب له، كانت جميلة جدا، لكنها كانت ترمز إلى كل شرور البشرية.

وواصلت حديثها قائلة إن هسيودوس يصف باندورا بأنها امرأة شابة جميلة، لكنه يضيف أنها "شر ورذيلة وقبح جميل". وتبني هذه الأسطورة أيضا الأطروحة التي تقول إن جمال المرأة نابع من مظهرها وليس من كينونتها، لكن لا ينطبق هذا الأمر على الرجال.

وعلى الرغم من كونها شخصية خيالية، فإنه يمكن اعتبار باندورا مثالا مضادا للفيلسوف سقراط، فهو قبيح من الخارج  لكنه جميل لأنه يمتلك روحا جميلة.

القبح الأنثوي

وأضافت الكاتبة أن القبح الأنثوي في اليونان القديمة يشير إلى ما اعتبره الفلاسفة والأطباء جزءا من طبيعة المرأة، باعتبارها كائنا ناقصا، من أرسطو إلى توماس داكوين، إذ اعتُبرت الأنثى كائنا غير مكتمل ومشوها، ومن الناحية الفسيولوجية اعتُبرت أكثر هشاشة، أما على مستوى المزاج، فيوصفن عادة بالبرود.

ومن اليونان القديمة حتى عصر النهضة، ارتبطت الأنثى بالقبح الفسيولوجي والفكري والأخلاقي. ومع ذلك، منذ القرن الـ17، بدأ هذا الأمر يتغير تدريجيا. بات جمال المرأة وقبحها مرتبطين بشكل أكثر وضوحا بموقفها وبأسلوب حياتها. فالقبيحات هن اللاتي لا يمتثلن لنموذج الأنوثة (امرأة جذابة، زوجة، أم)، وهكذا شكّل القبح وسيلة لتشويه المرأة التي تعتبر منحرفة.

وبخصوص سؤال الكاتبة عن السبب الذي يجعلنا نعتبر الساحرات قبيحات، بينت ساغارت أن ذلك يرتبط في الغالب بكونهن مكتفيات ذاتيا ومستقلات وغير متزوجات ولسن أمهات، كما أنهن يملكن المعرفة إذ إن أغلبهن كن قابلات، ولديهن معرفة كبيرة بالنباتات والأعشاب.

وتضيف أن الساحرات ظهرن في وقت بدأت فيه بعض النساء بالتمتع بنوع من الاستقلالية، لذلك توجب الوقوف في وجه هذه الاستقلالية حتى لا تتم إعادة النظر في النظام الأبوي وعدم تقاسم المعرفة.

وتشير ساغارت إلى أن كلمة "ساحرة" لطالما ارتبطت بصورة امرأة بشعة، فالقبح هو صناعة تجعل من الممكن وصم النساء اللواتي رفضن القيود المفروضة عليهن به. صُنع قبح الساحرة، بنفس الطريقة التي اختُلق بها قبح الفلاح واليهودي وذي البشرة السوداء.

وعن النساء الأخريات اللاتي وصفن بالقبح، قالت ساغارت إنهن كل اللاتي يخالفن القاعدة، فمثلا توصف الخادمات المسنات بأنهن فظيعات لأنهن عازبات ودون أطفال.

وبينت الكاتبة أن خلف القبح يختفي الخوف من عدم التمييز بين الجنسين، وإنكار المساواة بين الرجل والمرأة. فقد كتب برودون ذلك بوضوح قائلا: "ينبغي على المرأة ألا  تأمل في أي مساواة، فالمساواة ستجعلها كريهة وقبيحة". لكن هل هذا يعني أن الخضوع يجعلها جميلة؟

وأكدت الكاتبة أنه في القرن الـ20، بات القبح مرتبطا بعدم التحكم في المصير وبالاستسلام. فقد اكتسبت المرأة حقوقا وعملت ولم تعد تعتمد على الرجل، لكننا سنشهد تضخما غير مسبوق في مدى أهمية المظهر الجسدي، ولا سيما بسبب ظهور المرآة، ثم التصوير الفوتغرافي والسينما بالطبع.

يرى بعض الفلاسفة أن المرأة الجميلة بالضرورة غبية (غيتي إيميجز)

السينما ترسخ مقاييس الجمال

ونقلت الكاتبة عن ساغارت أن أعمالا مثل أعمال ديفيد لي بريتون أو جورجس فيغاريلو أو جانفرانسوا أماديو، صوّرت دور المظهر في العلاقات بين الأفراد. في التعليم -على سبيل المثال- تخبرنا التحليلات أن المعلمين، دون وعي بالطبع، يتحلون بصبر أكبر في تعاملهم مع طفل لطيف مقارنة بطفل له سمات قبيحة. وبالتالي، فإن نعت أحدهم بالقبح قد تكون له تداعيات مأساوية.

وتعليقا على عدم تجسيد القبح في السينما والتلفزيون بشكل كبير، أوردت ساغارت أن قلة قليلة من الناس يتمتعون بمظهر رائع، بينما على التلفزيون لا ترى الكثير من الوجوه القبيحة. إلى جانب ذلك، هناك نسبة قليلة من النساء فوق الخمسين يلعبن أدوارا في السينما. وبالتالي، لا تزال الشيخوخة تعتبر سن قبح. وكما قال ميشيل تورنييه بلطف، يجب على المرأة أن تناضل من أجل منحها -مثل الرجل- "الحق في القبح".

أما فيما يتعلق بكيفية تصور القيام بهذه الثورة، فردت المؤلفة أنه يجب البدء بتقديم تنوع أكبر في تمثيل الوجوه والأجساد في السينما والإعلان ووسائل الإعلام. لا يعتبر الرجل الذي يتراوح عمره بين 50 و60 عاما مسنا، لأن الجمهور اعتاد رؤية تمثيل مثل هذه الفئة العمرية. يجب أن نولي المزيد من الاهتمام لظهور النساء في ذلك العمر.

المصدر : الصحافة الفرنسية

حول هذه القصة

المزيد من مرأة
الأكثر قراءة