شعارهن "المهم أننا لم نحتج أحدا".. أعشاب البرية سند السيدات القرويات في لبنان

الطبيعة تهب خيراتها البرية لتكون سندا لعائلات عديدة في القرى اللبنانية
الطبيعة تهب خيراتها البرية لتكون سندا لعائلات عديدة في القرى اللبنانية

تجمع القرويات الأعشاب والنباتات البرية التي طالما أطعمت العائلات، وصنعت النساء منها أطباقا مختلفة مع الحبوب والخضار. ولم تكن تلك النباتات تشكّل مصدر رزق منذ زمن طويل، إلى أن نزح القرويون للمدن بهدف العمل والتعلّم، حاملين حنين ذلك الطعم الطبيعي. أما من بقي في القرى، فظل يتناول هذه النباتات الموسمية رغم دخول لائحة طعام جديدة.

وما تزال كثير من النساء يقطفنها للحاجة المنزلية أو لإضافة صحن طبيعي جدا على مائدتهن.

نبتة الهندباء البرية من حشائش الطبيعة الصالحة للأكل (الجزيرة)

مصدر رزق

نساء أخريات يقطفن هذه النباتات لتكون مصدر رزق لعائلاتهن، ويحاولن إيجاد طرق مبتكرة للحصول على هذه الأطعمة، من السلق والتجميد والتجفيف، حسب نوع العشبة وخواصها.

تجمع خديجة العلي من سهول منطقة البقاع الأعشاب البرية، وتقول للجزيرة نت إنها كانت تذهب كل يوم خلال شهري فبراير/شباط ومارس/آذار إلى السهل لإحضار "المونة" ومساعدة جاراتها، لكنها بعد تحضير ما تحتاجه كانت تبيع الباقي لأهالي زحلة (مدينة في البقاع) والعاصمة بيروت. لم تخبر أولادها حينها، لكنها أخبرتهم عندما أصبحوا في الجامعة.

تقول "الحياة صعبة، وكنت وحدي بعد اختفاء زوجي، وأولادي صغار، وكنت أقول لهم إن والدهم يرسل المال لنا. عملت سرّا في الطبخ لعائلات في البيوت، أما الخضار البري مثل الدردارة والقرصعني والخبيزة كان الله يرسلها لنا لنعيش منها، ولا نحتاج سوى قطافها".

وخديجة كانت تحضر المؤن من الكشك والمكدوس (باذنجان مكبوس بالجوز والثوم والفليفلة)، والمربيات وأنواع الكبيس، وتبيعها لمعارفها أو لجمعيات تساعد المرأة القروية.

الشومر البري من الأعشاب المرغوبة (الجزيرة)

عودة الزوج الغائب

تقول خديجة بحزن للجزيرة "الله سترنا، ولم نحتج أحدا. أولادي اليوم تخرجوا في الجامعة ويعملون، وإن شاء الله سيعوضونني عن أيام التعب".

لا تزال خديجة تعمل بالطلب، ولكن بشكل أقل من قبل بكثير. وتبين للجزيرة نت أن زوجها عاد من غربته التي استمرت 13 عاما، فلم تستقبله لا هي ولا الأولاد. وتقول "كنت أبكي لا أعرف إن كان بخير أو مخطوفا. ولم يكن معنا في أسوأ الظروف، وجعلنا نعيش في فقر مدقع، لم يكن سندا، وعندما تخرج الأولاد أتى ليحصد تعبي وتعبهم".

وعما إذا كانت الطبيعة تكرمها بالقطاف، تقول "الله كريم والطبيعة كريمة، والحمد لله".

القرصعني من الأعشاب التي تجد إقبالا في موسمها (الجزيرة)

القطاف الذي لا يتوقف

لرولا أيوب من الجنوب قصة أخرى؛ فبالإضافة إلى الفقر، حصل حادث سير لزوجها أقعده في المنزل، ولكثرة حزنها وتعبها -كما تقول- أصيبت هي الأخرى منذ تسع سنوات بفالج لا تزال تعاني من أعراضه حتى الآن، مما أثّر على شكل وجهها وحركتها وجسمها.

ورولا معروفة في قريتها والقرى المجاورة؛ فالكل يقصدها لأنها تعمل بضمير، وتقول "أطعم الناس ما أطعمه لعائلتي". فهي تهتم جيدا بإزالة الشوائب من الأعشاب البرية وغسلها وتحضيرها للأكل مباشرة أو للتجميد.

تساعدها ابنتاها الصغيرتان 10 و13 سنة، وتعلمتا من أمهما كل شيء. وتقول للجزيرة إنه من الجيد أن تفهما معنى التعب وتحمّل المسؤولية.

وعن المواسم التي تتوالى عليها، تبين رولا أن نبتة الهندباء البرية تبدأ في منتصف يناير/كانون الثاني، ومثلها القرصعني والدردارة، وأعشاب برية أخرى كلها تأتي تباعا من الزعتر الأخضر البري إلى الشومر والخس البري، وهو نوع من الشوك يقشّر ويضاف إلى السلطة، ويستمر الموسم حتى نهاية فبراير/شباط.

الزعتر البري يقطف ويجفف ويدق ليؤكل مع زيت الزيتون (الجزيرة)

وتستغل الموسم للقطاف البري الحر من حقول كثيرة في قريتها والقرى المجاورة، قبل أن يصبح طعم بعض النباتات مرًّا مثل الهندباء، وينبت الشوك في غيرها مثل القرصعني، ويزهر نباتا آخر كالزعتر.

بعد القطاف البري تنظف رولا هذه الأعشاب، تسلق بعضها وتجفف الأخرى، وتضعها في أكياس للحفظ بعد أن تفرغ منها الهواء بطريقة الضغط.

وفي الربيع يأتي موسم الزهورات الزوفا والقصعين (الميرمية)، تقطفها وتغسلها وتجففها وتبيعها، وتستمر حتى يونيو/حزيران.

نوع آخر من الزعتر ينبت في جبل لبنان (الجزيرة)

وفي يوليو/تموز، يأتي موسم القمح والبرغل والفريك والسمسم واليانسون والعدس، وتعمل رولا لصالح أصحاب الحقول، ويكون أجرها عبارة عن مونتها مع زيادة قليلة تحضرها للبيع.

وفي أغسطس/آب، تقطف السماق، ومنطقة الجنوب اللبناني مشهورة جدا بسماقها الشهي، حيث تنقيه وتجففه وتنخله. وتقطف أوراق العنب وتكبسها في آنية للبيع. وفي سبتمبر/أيلول، يأتي دور الزيتون، فبعد قطف الناس أشجارهم تذهب إلى حقولهم وتلملم ما تبقى على الأشجار، وتسمى هذه الطريقة "بَعْوَرَة الزيتون". وتقول إنها تحصل على نحو ثلاثين لترا من الزيت من هذه البعورة.

في الخريف يأتي موسم قطاف الزيتون ورصّه (الجزيرة)

لا تتوقف عن العمل

ويرافق كل هذا العمل جمع الحطب في كل الأوقات، لحاجاتها المنزلية، وبيع ما يفيض عنها؛ إذ تقوم بتجفيفه وتقطيعه بالمنشار الذي يعمل بالبنزين.

لا تتوقف عن العمل طوال السنة؛ ففي الأوقات التي لا قطاف فيها، تقوم رولا بعمل الكبب ولف ورق العنب، وتحضير الفطائر المحشوة وبيعها جاهزة للطبخ.

أما الاستعمال المنزلي فهي تزرع كل شيء أمام منزلها المتواضع، من الكوسا والبطاطا والبندورة والفليفلة وأنواع كثيرة من الخضار.

وتقول للجزيرة نت إنها تبيع غالبا لأهل بيروت، ولديها زبائن من طرابلس في شمال لبنان.

وعن البدل المادي لكل هذا العمل، تشير إلى أنه ضئيل جدا إذا قورن بتعبها ويديها المجروحتين والمتورمتين من العمل في الحقول، وتقول "المذلة صعبة، والمهم أننا لم نحتج أحدا إلا ربنا، والعمل ليس عيبا، والفقر ليس عيبا".

كما تعمل رولا في تنظيف البيوت إلى جانب عملها هذا، وما يهمها فقط أن تكمل ابنتاها الدراسة كي تعيشا حياة أفضل وأقل تعبا؛ لذا فإنها تدفع لمعلمة خاصة أسبوعيا، وأحيانا مقابل بعض منتوجاتها.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

وجدت الكثيرات من النساء اللواتي يواجهن ظروفا مادية صعبة في العراق، بريق أمل لتحسين مصدر دخلهن من خلال الانخراط في صناعة الكمامات الواقية، التي ازداد الطلب عليها مع تفشي فيروس كورونا بالبلاد. تقرير: وليد إبراهيم تاريخ البث: 2020/4/16

المزيد من مرأة
الأكثر قراءة