نساء بغياب الرجال.. أمهات أيقونات في مواجهة الحياة

مي سحاب تمنت لو يشاهد زوجها كيف يكبر أبناؤهما (الجزيرة)
مي سحاب تمنت لو يشاهد زوجها كيف يكبر أبناؤهما (الجزيرة)

"ذهب الذين تحبهم، ذهبوا.. فإما أن تكون، أو لا تكون".. رغم أن هذه القصيدة كتبها الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش عن حصار بيروت، فإن هذا المقطع يجسّد تحدي الاستمرار أيضا في الحياة بعد غياب من نحبهم ومن كانوا سندا.

فمع الغياب القسري للرجل من حياة المرأة، ترمي الحياة بثقل المسؤوليات على كاهلها، فلا يكفي حزن الغياب، وتجد نفسها مضطرة للملمة نفسها وقلقها وتعبها للوقوف بأقدام ثابتة لتدبير أمورها وأمور أبنائها.

الجزيرة نت استطلعت تجارب سيدات في الفقد، ومواجهة تحديات كانت مقسومة على الطرفين وحطت على عمرها وحدها.

غادة الديك رغم أنها أصبحت جدة، فإنها افتقدت كلمة بابا طوال حياتها (الجزيرة)

من الضعف قوة

تبدلت حياة حنة بعد رحيل زوجها عام 1951، لتنتقل العائلة بعد سنوات إلى لبنان مع العم الذي ساعد بقدر المستطاع.

وتقول ابنتها غادة إن حياة أمها تروي قصة امرأة انتزعت من عالمها، ووجدت نفسها في بلد غريب دون شريك حياتها ولا معيل، وثلاثة أطفال أكبرهم دون السادسة.

"أربيهم بدموع عيوني"، هي الجملة التي لطالما سمعتها غادة من أمها التي تخبر أنها قلما رأت عيون أمها جافة، كما لا تعرفها إلا باللباس الأسود وكأنه جزء منها.

وتذكر غادة أن والدتها بدأت تعمل بالخياطة، وتقول "لا أنسى كيف كانت تعمل والدموع لا تتوقف، ولطالما استيقظت على صوتها وهي تبكي، وأحيانا تغفو على آلة الخياطة".

كانت حنة تعمل ليلا في الخياطة، وتطبخ وتهتم بشؤون البيت والأطفال وتدريسهم، وتأمين حاجياتهم. كانت تحيا في دوامة من التعب والحزن والوحدة، ولكنها أعطت من الضعف قوة.

ورغم أنها كانت الأم والأب وحضن العائلة والحزن في قلبها، فليس هناك أحد يحل مكان أحد. تقول غادة إنها افتقدت كلمة "بابا" طوال حياتها، ورغم أنها أصبحت جدّة فإنها تشعر بهذا الحرمان، ولم يغب أبدا عن ذاكرتها.

فاطمة الطحش وولداها جمال وبلال حاطوم ومحاولة تعويضهما غياب الأب (الجزيرة)

الله أخذ شابا وعوضني بشابين

"أنتِ ربيهم للأولاد وأنا أدللهم"، تقول فاطمة الطحش إن زوجها خالد حاطوم كان يردد هذا القول كأنه يعلم أنه راحل.

كان عمرها 25 عاما عندما تعرضت الأسرة لحادث سير أودى بحياة زوجها خالد، وسبب كسورا لها وجروحا لطفليها جمال (ثماني سنوات) وبلال (أربع سنوات). غابت فاطمة عن الوعي، واتصل جمال بجدته يخبرها "ماما وبابا ما عم يردوا" (لا يتكلمان)، محاولا "ماما ردّي علي لا تتركينا".

تقول فاطمة إن هذه الكلمات جعلتها تقاوم وجعها وحزنها وصدمتها، وبعد شهرين ونصف الشهر من الحادث تعافت جسديا، وفتحت محلا لبيع الهدايا، وبدأت العمل منذ 10 سنوات.

ساعدها أهلها ولكن كان عليها أن تقوم بحمل العائلة، لكنها فقدت كتف الأمان. لم تعطِ الظروف فاطمة ترف الحزن، كان عليها أن تكون قوية ومسؤولة، وكانت تشتكي حزنها على قبر زوجها من دون أن يشعر الأولاد وأمها.

وتعتبر أنه يكفيها أن يقال إنها ربت رجلين، منوهة بأن جمال وبلال قنوعان ويقدران الأوضاع.

فقدت العائلة بغياب خالد السند والأوقات السعيدة، تقول فاطمة إن الفرحة ناقصة والصور أيضا والغصة في القلب لا توصف.

لم تفكر فاطمة بالارتباط، جل ما يشغلها أمومتها "هما قطعة من قلبي، والله أخذ مني شابا وعوّضني بشابين".

مي سحاب وخليل حجار ذهبا إلى إسبانيا وعادا قبل أن يلقى حتفه بـ5 أشهر في حادث سيارة (الجزيرة)

اخرج من الصورة

منذ ثماني سنوات ضربت سيارة مسرعة خليل حجار الذي كان واقفا على جانب الطريق وفارق الحياة، تاركا وراءه زوجته المذيعة والممثلة مي سحاب وابنتهما ياندي تسعة أشهر. وبعد خمسة أيام من الدفن عرفت مي أنها حامل.

عاشت مي -كما تروي- فترة من الإنكار، ولكن وجود ياندي وحملها جعلاها تقف على قدميها. وعادت للعمل بعد مرور 40 يوما كونها المعيلة الوحيدة لعائلتها.

ومن أصعب ما مرت به عندما كانت ياندي تقول لها إنها تريد أن يخرج أبوها من الصورة، ليكون معهما.

أما ابنها راؤول فكان يقول لها إنها هي "أبوه"، وتقول ربما لأنه ليست لديه صورة معه مثل أخته.

تقول مي إنها تبعت غريزتها كأم في التعاطي مع الولدين "ما يحطمني أكثر من مسؤولية البيت والأولاد والأقساط، هو أسئلة ياندي وراؤول عن غيابه بطرق مختلفة".

تفتقد مي زوجها في كل الأماكن، وتتمنى لو أن الحياة أعطته فرصة مشاهدة الولدين وكيف يكبران، وتضيف "أكيد كنت سأعمل أقل، وأنام أكثر".

زهرة نصور: تربية الأولاد دون أب صعبة جدا (الجزيرة)

النظرة إلى الأرملة

ضج الإعلام اللبناني منذ ست سنوات بخبر مقتل محمد الشاب زوج زهرة نصور على يد عصابة أثناء مكالمته الهاتفية لها من الكونغو، حيث ذهب يبحث عن عمل متواضع، ونقل إلى لبنان بحالة موت سريري ما لبث أن فارق الحياة، وكان لهما طفلان 12 و4 سنوات.

كانت زهرة معتادة على سفر زوجها وعمله بشكل متقطع في الخارج، ومعتادة على مسؤولية غيابه، إلا أن هذا الغياب كان مختلفا.

وزهرة لا تعمل إنما تكرس وقتها كاملا لولديها، حتى أن علاقاتها الاجتماعية انعدمت. واضطرت أن تأخذ مصاريف العائلة وتكتفي بما يقدم لها من أهلها وأهل زوجها الذين أعطوها الوصاية على الأولاد في المعاملات الرسمية، وتقول "رغم ثقتهم بي إلا أنهم يراقبونني دوما".

فقدت زهرة وجود الزوج في تربية الصبيان والحديث معهم، وواجهت الكثير وحدها، وتقول إن وجود الأب مهم على كل الأصعدة لعائلته، وتتحسر على غيابه وأنه تركها وحدها مع الأولاد بمسؤوليات كثيرة.

وأكثر ما يزعجها نظرة المجتمع للأرملة على أنها ضعيفة ومحتاجة، مما يجعلها في حالة نفسية سيئة تتسبب بانعزالها في البيت.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من مرأة
الأكثر قراءة