أن تموت مرتين من القلق.. أمهات مصريات بين ساحة الثانوية العامة و جحيم كورونا

زحام الطلاب وأولياء الأمور أمام لجان الثانوية العامة بمصر رغم المخاوف من انتشار كورونا (مواقع التواصل الاجتماعي)
زحام الطلاب وأولياء الأمور أمام لجان الثانوية العامة بمصر رغم المخاوف من انتشار كورونا (مواقع التواصل الاجتماعي)

مشهد اعتاده أولياء أمور طلاب الثانوية العامة في مصر، توصيل الأبناء للجان الامتحان، وانتظارهم أمام أبواب المدارس حتى نهاية الامتحان، واستقبالهم بحضن غامر، وزجاجات المياه المثلجة، التي تقيهم حرارة الجو، وسخونة الأسئلة.

منذ سنوات استمر المشهد يتكرر كل عام، في صورة طبيعية وانسيابية تتماشى مع صعوبة أو سهولة امتحان كل يوم، لكن هذا العام بدأ الوضع مختلفا، فالخوف لم يعد فقط بسبب الامتحانات، بل من شبح كوفيد-19 الذي يحاصر لجان الثانوية.

دعوات النجاة

قلق وتوتر لازم غالبية أمهات طلاب الثانوية العامة، الجميع لم ينم في الليلة الأصعب، إذ يكرم المرء أو يهان، أو ربما يذهب المرء ولا يعود، فالأمان الذي وفرته المنازل لأبنائها في ظل كورنا، من تعقيم وتطهير مستمر، وعدت الوزارة بتوفيره أمام اللجان وداخلها، وباتت الأمهات يدعون بأن تمر الامتحانات على خير، لم تعد تهمن النتيجة، بل صار الدعاء أن يُرد لهن أبناءهن سالمين.

دعوات عبر مجموعات أولياء الأمور على مواقع التواصل، بتخفيف التجمع أمام اللجان، لكي لا تصبح التجمعات بيئة خصبة لانتشار الفيروس القاتل، لكن لم تجد تلك الدعوات أذن مصغية، فأمام كل مدرسة تجمع المئات من أولياء الأمور من السابعة صباحا حتى انتهاء الامتحان، كانت الأخبار تتوالى عبر مواقع التواصل عن اكتشاف حالة كورونا لمعلمة في منطقة السيدة زينب، ثم خبر آخر عن إصابة طالب بالفيروس في مدرسة بمدينة نصر ونقله للمستشفى، صار الأمر مرعبا، فحتى من استقر في منزله من أولياء الأمور لم يجد بدا من النزول لمتابعة الوضع في مدرسة ابنه أو ابنته.

 

أمان زائف

تصف دينا والدة الطالبة ياسمين بإحدى مدارس حي الهرم، للجزيرة نت، الخوف الذي رافقها وعائلتها طيلة الشهور الماضية، ليبلغ اليوم أشده "كنت قررت أن أبقى في المنزل، ويقوم زوجي بتوصيل ابنتي للجنة، فأنتظرها وأقرأ لها القرآن والدعاء بالبيت، لكن انهيارها وخوفها قبل نزولها، جعلني أرافقها حتى نهاية اليوم".

أمام لجنة الامتحان لا وجود للإجراءات الاحترازية التي شدد عليها وزير التعليم، ولا معقمات ولا بوابات معقمة ولا أي شيء مما تحدثت عنه وسائل الإعلام المصرية، في محاولة لطمأنة الأهالي، بحسب ما قالته دينا، مضيفة "أحمل معي زجاجة كحول، وزجاجة أخرى بها كلور مخفف، لتعقيم ابنتي وتطهيرها قبل وبعد خروجها من اللجنة، وحذرتها من خلع الكمامة داخل اللجنة، لكن حرارة الجو وإغلاق المراوح في الفصول، ربما تدفعها لإزاحة الكمامة للتنفس".

يد تحمل المصحف، وأخرى تحمل الكحول المطهر، هكذا كان حال السيدة الأربعينية، التي وقفت أمام لجنة ابنها في مدينة نصر، تنتظره لحين انتهاء الامتحان، تقول رشا محمود إن ابنها وابنة شقيقتها يدرسان معا في الثانوية العامة، لكن شقيقتها قررت الانتظار وتأجيل امتحانات ابنتها للدور الثاني، خشية كورونا، وهو ما لم يوافق عليه ابنها الذي أراد أن ينهي كابوس الثانوية العامة، حتى ولو على حساب تهديد صحته وحياته.

لا يختلف حال الأمهات اللاتي قررن البقاء في المنزل عن حال هؤلاء أمام اللجان، فالقلق واحد. في إحدى مدارس الحي العاشر بمدينة نصر، ذهبت حبيبة أحمد بمفردها للجنة امتحانها ورفضت أن يرافقها أحد أبويها، حتى لا يتعرضا للخطر.

 

 

جحيم القلق

تماسكت الشابة ذات الـ17 عاما، وهى تظهر رباطة جأش أمام والديها، قبل نزولها للجنة، أعدت لها أمها طبقا من القمح المهروس بالحليب، لكي يساعدها على تنشيط ذاكرتها، وملعقة من العسل الأبيض والليمون لتقوية المناعة، وقرص فيتامين سي، كل هذا تناولته حبيبة قبل نزولها، مع دعوات أمها وأذكار أبيها.

ذهبت الابنة للامتحان وبقيت العائلة مستيقظة في البيت، تدعو وتصلي من أجل العودة سالمة، رعشة أصابت الأم، ووجع المعدة وتعرق شديد، أعراض نوبة هلع شديدة تصاب بها للمرة الأولى، خوفا على ابنتها، مع اقتراب الساعة الواحدة ظهرا، موعد خروجها من اللجنة وانتهاء اليوم. يقول الأب أحمد عبد العال، الذي يتشتت انتباهه بين توتر انتظار ابنته، وقلق الخوف على الزوجة للجزيرة نت "إن لم نمت بكورونا سنموت بالأزمة القلبية".

وتابع عبد العال "إن ما يحدث لم يكن أحد يتوقعه على الإطلاق"، واعتبر عبد العال أن الرهان على سهولة الامتحانات في ظل كورونا هو السبب الوحيد الذي دفعه وغيره لعدم تأجيل امتحانات أبنائهم، واستدرك قائلا "لكن لا أعلم إذا استمر هذا الوضع، لن أخاطر بابنتي وفي داهية التعليم كله".

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من اجتماعي
الأكثر قراءة