من أم محمد إلى الشيخة كريمة.. أصوات النساء في تاريخ تلاوة القرآن

كان أثر النساء بارز الحضور في العهد الأول لقراء القرآن الكريم بالإذاعة المصرية (غيتي)
كان أثر النساء بارز الحضور في العهد الأول لقراء القرآن الكريم بالإذاعة المصرية (غيتي)

شيماء عبدالله

"نزل القرآن في مكة، وكتب في العراق، وقرئ في مصر"، هكذا تداولت الألسنة تلك المقولة عن الإعجاز الصوتي الذي منحه الله لقراء كتابه في مصر.

في كتابه "ألحان السماء"، أرخ الكاتب الصحفي محمود السعدني لقصص عديدة تروى للمرة الأولى عن مشاهير التلاوة المصريين، وكيف تأثر بهم العالم، قارن السعدني بين مشايخ الأربعينيات والخمسينيات والأجيال الأولى في الإذاعة المصرية، وبين مشايخ السبعينيات وما تلاها من أجيال التلفزيون.

برزت أسماء عدة بين صفحات الكتاب، لأئمة المشايخ، وفي زاوية صغيرة من الكتاب كان أثر النساء بارز الحضور في العهد الأول لقراء القرآن بالإذاعة، قبل منعهن بفتوى رسمية، وتبقى تلاوة القرآن الكريم حكرا على الرجال.

من أم محمد للشيخة كريمة
يحكي الفصل السابع من كتاب ألحان السماء قصص ثلاث سيدات كن من أشهر قارئات القرآن الكريم، منذ الأربعينيات وحتى منتصف السبعينيات، حين انطوت صفحة القارئات من تاريخ المقرئين المصريين، برحيل الشيخة نبوية النحاس عام 1973.

كانت الشيخة نبوية هي آخر سيدة مصرية تتلو القرآن الكريم في المناسبات العامة والاحتفالات الرسمية وفي المآتم والأفراح، وكان الاستماع إليها مقصورا على النساء، في القسم المخصص للسيدات بمسجد الحسين.

قبل النساء الثلاث، يقول السعدني في كتابه إن التاريخ المكتوب لقراء القرآن الكريم في مصر لم يعرف سوى الشيخة أم محمد، التي ظهرت في عهد محمد علي باشا، وكانت موضع إعجاب من كبار القادة والأمراء في ذلك الوقت، حتى أن محمد علي أمر بسفرها إلى إسطنبول لإحياء ليالي رمضان في حرملك السلطانة العثمانية.

حازت أم محمد الكثير من الجوائز والهدايا والنياشين، وماتت قبل هزيمة محمد علي ومرضه، ودفنت في مقبرة أمر والي مصر ببنائها خصيصا لأجلها، وجرت مراسم جنازتها في احتفال مهيب.

كان الاستماع إلى القارئات مقصورا على النساء (غيتي)

منيرة عبده
لمع أيضا نجم السيدة منيرة عبده كواحدة من أبرز قارئات القرآن الكريم، ففي عام 1920 سطع نجم الفتاة الصغيرة التي لم تتعد من العمر 16 عاما، يحمل صوتها وقارا يمتزج بالرقة.

ولم يمر وقت طويل حتى صارت الفتاة الصغيرة منافسة لكبار المشايخ من المقرئين، وأصبحت ندا للشيخ أحمد ندا، والشيخ محمد رفعت، وذاع صيتها في البلاد العربية وأذاع لها راديو لندن وباريس مقاطع من تلاوتها للقرآن.

عند إنشاء الإذاعة الرسمية بالقاهرة، كانت منيرة عبده من أوائل من تلوا القرآن في الإذاعة، وكانت تتقاضى راتبا يصل لسبعة جنيهات ونصف، وعندما زاد أجر الشيخ رفعت إلى 15 جنيها، ارتفع أجرها أيضا ليصل إلى عشرة جنيهات كاملة، حتى صدرت فتوى في عام 1939 بأن تلاوة المرأة للقرآن تغضب الملائكة، فأبعدت منيرة عبده من الإذاعة، وتوقفت محطات لندن وباريس عن بث أشرطتها، حتى لا تغضب كبار المشايخ، رغم آلاف الرسائل التي وردت للإذاعة مطالبة بعودة منيرة التي اعتكفت في منزلها تستمع إلى تسجيلاتها القديمة وتجتر الذكريات.

كريمة العدلية
كانت بداية ظهور العدلية مقترنة ببدايات منيرة المهدية، ولقرابة 15 عاما، ظلت سطوة الاثنتين منفردة، واحدة على ساحة الطرب، والأخرى على ساحة التلاوة والتواشيح، حتى مرضت الشيخة واعتزلت إحياء الليالي، وخفت صوتها وبريقه، وذهبت للحج وقضت هناك ثلاث سنوات، ولما عادت كان كل شيء قد تغير، حتى عرش المهدية كان قد اهتز بظهور أم كلثوم، وعند إنشاء الإذاعة المصرية، لم تتح لها فرصة المشاركة بها، فقد أصابها الوهن، ولم يعد صوتها يحمل ذات القوة القديمة.

أم السعد.. آخر جيل القارئات
في بحث خاص أعده الباحث الراحل حسام تمام في عام 2002، عن الشيخة أم السعد، التي لم تستطع الوصول إلى ميكروفون الإذاعة بسبب فتوى صوت النساء، إلا أنها اتخذت نهجا آخر، وحافظت على إحيائها للمناسبات الدينية، ثم توقفت عن ذلك أيضا، واستمرت حتى آخر عمرها تحفّظ القرآن في مصر والعالم العربي، وتميزت بحفظ القرآن بالقراءات العشر، وظلت طوال نصف قرن تمنح إجازاتها في القراءات العشر للنساء والرجال، كبارا وصغارا، حتى تجاوزت الثمانين من عمرها.

وصفات شعبية قضت على نظر أم السعد في طفولتها المبكرة، كما كان يحدث مع كثير من الأطفال في ذلك الوقت، وكعادة أهل الريف، فإن المكفوفين من الأطفال يوهبون للقرآن، فأرسلت الطفلة أم السعد إلى الكتاب، فحفظته وأتمته في الـ 15 من عمرها، ثم ذهبت للشيخة نفيسة بنت أبو العلا، أعلم أهل زمانها لتتعلم القراءات العشر، وكانت نفيسة لا تحفّظ الفتيات، لأنها تعرف انشغالهن بالزواج والأطفال، اشترطت على الفتاة الصغيرة ألا تتزوج، ووافقت أم السعد على الشرط.

أتمت أم السعد القراءات العشر، وأضحت واحدة من الحافظات للقرآن الكريم بالتواتر، ويفصل بينها وبين النبي محمد صلى الله عليه وسلم 27 راويا، وصولا للروح الأمين جبريل.

أم السعد أجازت تلاوة القرآن لكبار المقرئين (غيتي)

لم تحافظ أم السعد على عهدها الذي قطعته لمعلمتها، فتزوجت من أحد المشايخ الذي أخذ إجازاته القرآنية على يدها، سافرت أم السعد للعديد من الدول العربية، تسمع وتجيز لكبار المقرئين، ومكثت في المملكة السعودية مدة عامين، ليتعلم على يدها الكثيرون من النساء والرجال الآتين إليها من كل حدب وصوب.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من مرأة
الأكثر قراءة