المرابطات المقدسيات: لا لذة للعيد بدون الأقصى

المقدسيون يوزعون الحلوى تزامنا مع صلاة العيد
المقدسيون يوزعون الحلوى تزامنا مع صلاة العيد

جمان أبو عرفة-القدس

حين كانت عائلتها تحضر لاستقبال عيد الفطر، كانت الصحافية المقدسية سندس عويس (23 عاما) تطيل النظر إلى صور عيد الفطر الماضي في المسجد الأقصى التي ملأت هاتفها، وكلما نظرت ازداد شوقها للمسجد وانخفض حماسها للعيد، بعد استمرار إغلاقه أمام المصلين بسبب جائحة كورونا.

تقول سندس للجزيرة نت "كتبت العيد الماضي على حسابي الشخصي: عيدنا بالأقصى غير، لكنني اليوم سأكتب: عيدنا دون الأقصى غير!".

جموع المصلين قبالة المصلى القبلي أثناء عيد الفطر الماضي (الجزيرة)

ذكريات العيد بالأقصى

بقلب طفولي، تحضّر سندس ليلة العيد ملابسها بجانب سريرها، ويمنعها حماسها من النوم، كما يمنعها قلقها من أن تستيقظ متأخرة وتفوّت صلاة فجر العيد في الأقصى، فتستقل سيارتها من بيتها المطل على الأقصى في حي رأس العامود جنوبه، وتمر لتقل صديقاتها من بيوتهن، ليبدأن مسارهن داخل حواري البلدة القديمة وصولا إلى الأقصى.

تتابع سندس رواية ذكرياتها، فتقول إنها تحرص على الوصول مبكرة وسماع أذان الفجر داخل المسجد، وتصلي وترقب شروق الشمس رويدا رويدا، فكلما علت في السماء ازدادت أعداد المصلين الوافدين لصلاة عيد الفطر.

تشتاق الفتاة العشرينية لركعتي العيد وتكبيراته وزحمة الدخول والخروج من المسجد، ولقاء الأقارب والأصدقاء في ساحاته ومائدة الفطور الأرضية على ترابه المزينة بالكعك والفلافل، وتدفق الصور الكبير على هاتفها، فهي تحرص على توثيق كل اللحظات آنذاك، لأن العيد بالنسبة لها هو الأقصى.

بحنين كبير، تضيف سندس "أبقى بعد صلاة العيد حتى الضحى، يلح أهلي عليّ بالعودة معهم فأرد: غادروا أنتم أنا عيدي هنا. حتى لو غادرت مضطرة، فسأعود لأقضي أيام العيد الباقية في المسجد".

وتصرّ الصحفية على أن عيدها الحقيقي سيكون حين يُفتح الأقصى، لكنها -لتعظم شعائر العيد- قررت أن تفعل ما اعتادت عليه سابقا، فخرجت مبكرة واصطحبت صديقاتها، وصلت صلاة العيد على أعتاب الأقصى، واستمعت للخطبة وشاركت في التكبيرات، ولم تنس الإفطار الجماعي والصور التذكارية، وإجراءات السلامة من كمامات وتباعد، وختمت تقول "تكفيني ريح الأقصى، عيدي الأكبر يوم أعود إليه محررا".

عويس تحرص على التبكير أول أيام عيد الفطر لتلحق صلاة الفجر والعيد في أقرب نقطة للأقصى بعد إغلاقه (الجزيرة)

عيد سعيد رغم كورونا والاحتلال

كما رفضت المعلمة المقدسية هنادي الحلواني (40 عاما) أن يمرّ عيدها بعيدا عن الأقصى، فقررت إقامة  صلاة العيد مع صديقاتها في جبل الطور المطل على المسجد، إذ تقول إنها ترى من الجبل كل ساحات الأقصى والزوايا التي اعتادت أن تقضي أعيادها الماضية فيها.

لن يكون عيد الفطر هذا هو الأول من دون الأقصى بالنسبة إلى الحلواني، بل هو الرابع على التوالي بسبب قرارات الإبعاد المتتالية التي سلمها إياها الاحتلال الإسرائيلي. لأجل ذلك، اكتسبت المعلمة مناعة ضد الإبعاد.

تقول الحلواني للجزيرة نت إنها تؤدي صلاة العيد في الأقصى منذ طفولتها، وواصلت تلك العادة مع زوجها وأبنائها الخمسة، فتحضر بيتها وكعك العيد طوال الليل، لتستيقظ مستعدة وتذهب مشيا من بيتها في حي وادي الجوز القريب من الأقصى، وتشتري لطفلها الأصغر بالون العيد عند أبواب المسجد، والذي ما زال يطالب به رغم بلوغه 13 عاما!

المعلمة المقدسية هنادي الحلواني تعد كعك عيد الفطر بالسميد والعجوة (الجزيرة)

بعد إبعادها واصلت هنادي طقوس العيد، ودأبت على استبدال ملابس العيد بقميص يشير إلى إبعادها، وتوجهت به للصلاة في أقرب نقطة إلى الأقصى. كانت تعتريها مشاعر من الألم والفرح حين كانت ترى أفواج المصلين الفرحين الوافدين، تفرح لإعمار الأقصى، وتحزن لبعدها عنه.

وتابعت "لن أسمح لكورونا والاحتلال أن ينسياني فرحة العيد"، قالت ذلك أثناء إعداد كعك العيد بالسميد والعجوة الذي ورثت طريقته من والدتها. انتهت من نقش الكعكات وأشعلت الفرن لإدخالها، واشتعل معه قلبها الذي يتفطر ألما على الأقصى، وتكمل "حبيبي الأقصى وحيد كاليتيم، لا ركعات صائمين معتكفين، ولا تكبيرات مصلين".

المعلمة المقدسية هنادي الحلواني استمرت في اتباع طقوس العيد السنوية رغم إغلاق المسجد الأقصى (الجزيرة)

"نعمتي" ونعمة الأقصى

كسابقاتها، ترى نعمتي الأفغاني (61 عاما) الأقصى ركيزة أساسية من ركائز العيد، كيف لا وبيتها في حارة السعدية بالبلدة القديمة تفصله بضع خطوات عن المسجد الذي لم تبرح الصلاة فيه منذ عقود، حيث كانت تحضر أطفالها ليلحقوا بفعاليات الأطفال وتوزيع الهدايا المجانية داخل المسجد، وهو ما حظره الاحتلال لاحقا.

وتصف الأفغاني إحساسها للجزيرة نت الذي يشاركها فيه مئات آلاف الفلسطينيين والمقدسيين، قائلة "قلبي يتقطع، لا لذة للعيد بدون الأقصى"، لكنها ورغم إغلاق الأقصى قادتها قدماها لا شعوريا نحو أعتابه، أقامت الصلاة بكمامة غطت نصف وجهها فعادت إليها نصف روحها كما قالت، ثم عادت إلى بيتها القريب لتقلي السمك المملح "الفسيخ" وتعد "قلاية البندورة"، في طقس عائلي ينذر بأنْ قد "حل عيد الفطر، فطورا صباحيا لذيذا".

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من الدولة الفلسطينية
الأكثر قراءة