قطر الندى.. قصة الأميرة الطولونية التي أفلس زواجها الأسطوري خزانة مصر

بنى خمارويه في كل استراحة بين القاهرة وبغداد قصرا لاستقبال موكب الأميرة إلى بغداد (مواقع التواصل)
بنى خمارويه في كل استراحة بين القاهرة وبغداد قصرا لاستقبال موكب الأميرة إلى بغداد (مواقع التواصل)

شيماء عبد الله

"يا حنة يا حنة يا قطر الندى".. تلك الأغنية هي كل ما تبقى من سيرة الأميرة الطولونية أسماء بنت خمارويه بن أحمد بن طولون، أشهر عروس عرفها التاريخ.

لم يكن جمال الأميرة الطولونية سبب شهرتها، رغم ما كان يُحكى عنه، وإنما كان السر يكمن في جهاز العروس وهدايا التي اقتطعها والدها من الخزانة المصرية، فحكى المؤرخون عن قافلة العروس التي خرجت من القاهرة إلى بغداد، محملة بأثمن الهدايا.

في كتابه "قطر الندى"، رصد الكاتب محمد سعيد العريان تاريخ الزيجة الأشهر في عهد الدولة الطولونية، والصراع الدائر بين الدولة العباسية في بغداد وبين الوالي المنشق في القاهرة.

البشارة
كان زواج قطر الندى من المعتضد تحقيقا لرؤيا مرضعتها التي أسرّت بها ذات ليلة لأبيها خمارويه، إذ قالت "رأيتني في قصر كأنه الجنة، وسألت لمن هذا القصر؟ فقيل إنه لملك المشرق، واليوم تزف له ابنة ملك المغرب، وحدق في وجهي محدق، وقال افسحوا لأم العروس، فانفلق الصفان كيوم موسى والبحر، ورأيتني أمشي في طريق قد فرش بالذهب، ونثرت عليه حبات الجوهر، وبين يدي وصائف كأنهن حور الجنة، وكانت قطر الندى هي العروس الجالسة على سريرها في غرفة تطل من اليمين على نهر النيل، وعلى يسارها نهر دجلة".

كانت الرؤيا هي البشارة لخمارويه، أما قطر الندى فكانت لا تزال صغيرة، لا يشغلها أمر الخلافة ولا أمور الدولة، فقط كان مكمن سعادتها في جلستها مع أبيها أمير مصر، وهو يتلمس بنظراته سبعه "زريق"، الذي استعاض به عن حراسه.

ولم يكن الأمير الطولوني يحب أن تناديه ابنته المفضلة "يا مولاي" كما يناديه غيرها، فهو الأب الذي يحب ابنته ويفضلها على الجميع، لكن الطفلة التي بدأت علامات شبابها في الظهور، لم تكن ترى في والدها سوى سبع آخر، مثل زريق، فكلاهما حاد المخالب، وشرس المحيا، وكلاهما يدافع عن مملكته بما أوتي من قوة، وبما رزق من بنات، بحسب العريان.

زواج سياسي
لم يكن في الحسبان أن تتزوج الشابة الصغيرة بخليفة المسلمين المعتضد، لكنه القدر الذي كان له شأن آخر في تغيير مجرى حياة قطر الندى، فبعد معارك طويلة خاضتها الدولة الطولونية في مصر مع الخلافة العباسية في بغداد، تقبّل الخليفة الموفق أن يستقر أحمد بن طولون في حكم مصر ومن بعده ولده خمارويه، على أن يدفع خراج مصر كل عام بلا نقصان.

ما أقره الموفق لم يوافق هوى المعتضد، لكنه لم يكن ليخالف أباه، إلا أنه بعد وفاة الأب، خاض المعتضد حربه ضد خمارويه ليسترد بلاد النيل والخير، غير أن جيش مصر كان أقوى من جند الخلافة، فاستقرت الدولة الطولونية، وعاد المعتضد يجر أذيال الخيبة.

أرسل خمارويه رسله ليسترضوا الخليفة بالهدايا والأموال، وكتاب خاص يطلب فيه شرف النسب بين أميرة الدولة الطولونية وولد المعتضد.. قبل الخليفة العباسي الهدية، وزاد القبول تشريفا بأن خطب قطر الندى لنفسه، وقال "لقد أراد خمارويه أن يصيدنا بشركه، فأجمعتُ أمري على أن أصيده بشركه".

تجهيز أسطوري
لم تفرح الفتاة الصغيرة بكونها الورقة الرابحة في ملك أبيها، وأن رحيلها إلى بغداد سيمنحها لقب الإمارة على عموم المؤمنين.. كرهت أن تكون عروسا لرجل عجوز، بدلا عن ولده الشاب الذي منّت نفسها به.

لم تُغرِ لعبة السياسة الأميرة الطولونية، حديثة العهد بفنون المكر والدهاء، فوعدها أبوها بزفاف لم ترَ دولة الخلافة مثله، وأن يكون موكبها من مصر إلى بغداد، سيرة لا تنقطع.

وصدق خمارويه وعده، فأفلست خزانة مصر العامرة التي كان يحسده عليها المعتضد وأبوه، فلم تعد كذلك بعد الزفاف الأسطوري.

يقول المقريزي عما تم تجهيزه للزيجة الملكية لقطر الندى، أن خمارويه أخذ في تجهيز ابنته جهازا كان يضاهي به نعم الخلافة، رغم أن المهر الذي قدمه المعتضد لم يكن يليق بزواج الخليفة، لكن خمارويه لم يبق طرفة من كل لون وجنس إلا وحمله مع ابنته، فكان من بين الجهاز دكة تتكون من أربع قطع من الذهب، عليها قبة من ذهب، مشبك في كل عين من التشبيك قرط، في كل قرط جوهرة لا تقدر بثمن.

ومن بين الجهاز مئة هون من الذهب، وألف تكة ثمنها عشرة آلاف دينار، والتكة سروال حريمي. واستعان خمارويه بابن الجصاص، أشهر تاجر للجواهر في بغداد، لكي يتولى مهمة تجهيز قطر الندى.. يقول المقريزي إن ابن الجصاص بعدما أكمل الجهاز تبقى معه أربعمئة ألف دينار، فمنحها له خمارويه.

أما ابن كثير فقد ذكر أن خمارويه بعدما أتم تجهيز ابنته، أعطى لابن الجصاص مليون دينار لرحلة بغداد، ليشتري من تحف بغداد ما لم يكن موجودا في مصر، ويضيفها إلى جهاز عروس مصر.

الرحلة
كانت الرحلة من الفسطاط في مصر إلى قصر صاعد في بغداد، حيث استقرت قطر الندى، أطولَ رحلة عرفتها مواكب الأعراس، ففي كل استراحة بين القاهرة وبغداد، بنى خمارويه قصرا لاستقبال موكب الأميرة في فترة الراحة.

خرج مع العروس، عمها وعدد من الأعيان، ويذكر المؤرخون أنها كانت تعامل معاملة الأطفال في المهد، فيقول المقريزي: كأنها في رحلتها من مصر إلى بغداد، تنتقل من مجلس إلى آخر في قصر أبيها.

دخلت قطر الندى بغداد يوم الفطر، فخرج أهل المدينة عن بكرة أبيهم ليروا الموكب المصري. وفي مقدمة الموكب سارت زرافة تتهادى في زهو وخيلاء، ووراءها بغل أشهب قد حُمل على ظهره صندوقان طُليا بالذهب، ويتبع البغل عشرون فرسا عليها سروج محلاة بالذهب والجواهر، وعليها رجال قد لبسوا الديباج وتمنطقوا بالأحزمة المذهبة، وبأيديهم حراب من فضة، ووراءهم عشرون بغلا تحمل من المتاع والحرائر والطيب ما لا يعرفه أهل بغداد، ولم يجربه أهل مصر، وما لم تبح به بلاد الهند والسند.

عندما رآها للمرة الأولى، أسَرَت قطر الندى لبّ الخليفة المعتضد.. كان حنان عينيها ورقتها وجمالها الأخاذ قد فعلوا فعل السحر في قلب أمير المؤمنين، الذي هام عشقا بالشابة الصغيرة، وأوْلاها رعاية واهتماما لم يكونا لامرأة قبلها.

ظل هذا بضع سنوات حتى جاءه خبر مقتل خمارويه، الذي آذن بانهيار الدولة الطولونية، وهو ما تمناه طويلا.. لم يفرح المعتضد لما حدث، ولكنه حزن لحزن الحبيبة التي لم تعد أبدا كما كانت، حتى لحقت بأبيها وهي في بداية العشرينيات من عمرها، وقيل إنها توفيت أثناء مرضه أبيها، فدفنها المعتضد في قصر الرصافة بجوار أبيه الموفق.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من مرأة
الأكثر قراءة