بالفيديو.. كورونا يعيد نساء تونس إلى الماضي الجميل

حياة بن هلال-تونس

ينبعث صوت عال من مطبخ مريم (36 عاما) مختلف عن أصوات أدوات المطبخ الإلكترونية، إنه صوت احتكاك حجري الرحى التقليدية التي تديرها الزوجة الشابة بعناء فهي غير معتادة عليها إطلاقا، إلا أن إغلاق المطاحن بسبب جائحة كورونا حتم عليها نفض الغبار عن الرحى التي كانت منسية في ركن من أركان البيت منذ عقود.

مريم ليست الوحيدة التي أعادت الرحى التقليدية إلى المطبخ العصري في زمن كورونا بل غيرها كثيرات لا سيما في الجنوب التونسي الذي يعتمد سكانه بالأساس على الأكلات الشعبية المستوحاة من القمح والشعير، خاصة في شهر رمضان المبارك.

ومن المعلوم أن الغذاء الصحي يقوي جهاز المناعة الذي يلعب دورا كبيرا في القضاء على الفيروس في حالة الإصابة به خاصة مع عدم توصل العلماء إلى لقاح أو دواء ضده حتى الآن.

‪آمنة المتزوجة حديثا تتقمص دور ربات البيوت القدامى‬ (الجزيرة)

للضرورة أحكام
تجلس آمنة (29 عاما) متزوجة حديثا وسط مطبخها تفترش بساطا تقليديا، تضع أمامها رحى حماتها القديمة المنحوتة من حجر الجبال الصلب وكأنها تتقمص دور ربات البيوت القدامى.

تضع آنية الشعير بجانبها لتشرع في وضعه بالرحى لتحويله إلى دقيق رطب تطهى به "العصيدة" فزوجها العائد من فرنسا مؤخرا مشتاق للأكلات الشعبية، ومطاحن البلدة مغلقة. تتوقف آمنة لتأخذ قسطا من الراحة وتقول إنها متعبة جدا "لكن للضرورة أحكام".

تدخل حماتها سالمة (65 عاما) تلقي نظرة على الرحى وتجلس القرفصاء لتعديلها قائلة "أبناء هذا الجيل تعودوا على الأكلات السريعة لذلك هم ضعاف البنية وسريعو التعب والمرض، أما نحن فقد نشأنا على الأكلات الطبيعية وطريقة إعدادها الصحية".

‪بسبب كورونا الرحى التقليدية تدخل المطبخ العصري‬ (الجزيرة)

مؤونة رمضان
وككل عام قبل دخول شهر رمضان تحضر ربات البيوت "مؤونة رمضان" المتكونة بالأساس من لوازم الأكلات الشعبية التي لا غنى عنها في الشهر الفضيل، فتحضرن "شربة الشعير" أو "الشربة فريك" كما يسمونها و"كسكسي القمح" و"الملثوث" و"العصيدة "وغيرها.

تقول مريم للجزيرة نت وهي تمسح عرقا تصبب من جبينها "صحيح أن طريقة الرحي التقليدية متعبة وبطيئة مقارنة بالطريقة العصرية، إلا أنها صحية ونظيفة خاصة في هذا الظرف الاستثنائي وسرعة انتشار الفيروس".

تنظر إلى حبيبات القمح المتناثرة على جانبي الرحى نظرة المنتصر الذي ذاق طعم نجاح عمله بعد تعب وتمسك "الزرار" وهو عود خشبي متين يثبت على جانب الرحى ليساعد في عملية الدوران، وتشرع في تدوير حجري الرحى بسرعة جنونية.

‪كسكسي القمح الذي لا يغيب عن المائدة التونسية‬ (الجزيرة)

حنين للماضي
دفع فيروس كورونا المستجد الناس إلى العودة إلى الأكلات الشعبية التي عادت إلى الواجهة بقوة خاصة بعد أن أدرك الجميع أن تقوية جهاز المناعة هو السبيل الوحيد لمقاومته، والحال أن تلك الأكلات غالبا ما تكون صحية على عكس الأكلات السريعة.

العم محجوب (57 عاما) يعمل بقالا يقول للجزيرة نت "هناك إقبال لافت على مكونات الأكلات الشعبية من قمح وشعير وبقوليات وغيرها.. الحمد لله أن هذا الجيل الجديد استفاق أخيرا وعرف أهمية الأكل الصحي".

‪مريم تنظر بفرح لحبات القمح المتناثرة‬ (الجزيرة)

وقد انتشرت ظاهرة العودة إلى الأكلات الشعبية بالعديد من الدول العربية، الأمر الذي فسره الدكتور سامي نصر المختص في علم الاجتماع بالعودة الاضطرارية والاختيارية في آن واحد.

وأضاف د. نصر "حسب علم النفس الاجتماعي فإن الإنسان عندما يشعر بالخطر أو الألم يحن إلى الماضي بصفة لا شعورية، أو بالأحرى يحاول الهجرة إليه لنسيان محنته، وهو ما يحدث اليوم تماما في جائحة كورونا".

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من مرأة
الأكثر قراءة