السلطانة كوسيم.. المرأة التي علمت الأتراك عادة فك كرب الغارمين بحلول رمضان

نساء الدولة العثمانية أظهرت أنهن مصدرا للخير والعطاء (مواقع التواصل)
نساء الدولة العثمانية أظهرت أنهن مصدرا للخير والعطاء (مواقع التواصل)

منة جميل

في كل عام وبالتزامن مع قرب حلول شهر رمضان، يتسابق الأتراك في سداد ديون الغارمين، عملا بعادات الدولة العثمانية القديمة.

ولا يشترط في هذه العادة أن يَعرف الشخص الذي سيسدد الديون هوية الغارم الذي سيفرّج كربه، فهو سلوك توارثته الأجيال لإظهار التعاون والتكافل الاجتماعي.

وفي الوقت الذي كان ينشغل فيه رجال الدولة العثمانية بالشؤون السياسية والإدارية للدولة، كانت نساؤهم ينشغلن بالأعمال الخيرية والمجتمعية، فأمرن ببناء المساجد، والأسبلة، والمدارس، والجمعيات الخيرية.

وجاء في الروايات التاريخية أن السلطانة "كوسيم ماه بيكر" -ومعنى لقبها بالعربية "وجه القمر"- اشتهرت بشكل خاص وعلى عكس غيرها من السلطانات، بزيارة السجون كل عام في شهر شعبان لتدفع الديون عن الغارمين الذين حكم عليهم بالسجن بسبب ديونهم.

وكانت السلطانة "كوسيم" زوجة السلطان أحمد الأول، حريصة على هذه العادة التي استفاد منها الآلاف في ذلك الوقت، وتعتبرها أهم الأعمال الخيرية التي يمكن تقديمها للمحتاجين والفقراء خلال شهري شعبان ورمضان.

كما اهتمت "كوسيم" بتوفير مستلزمات الزواج لبنات الأسر الفقيرة، وتحرير العبيد بعد العمل لديها لمدة 3 سنوات فقط.

نماذج معاصرة
عارف كارا عجوز تركي، يقول في حديثه للجزيرة نت إن سداد ديون الغارمين سمة "متأصلة داخل نفوس الأتراك، ويتسابق إليها الجميع، لا سيما قبل حلول رمضان وعيد الفطر، أسوة بالأجداد العثمانيين وزوجاتهم".

وأوضح عارف أن المواطنين في العادة يذهبون إلى أقرب تاجر أو بائع مستلزمات غذائية في الأحياء التي يسكنون فيها، ويطلبون منهم فتح دفتر الديون لاختيار اسم عشوائي يسددون دينه كاملا أو على الأقل جزءا منه.

كما أشار إلى أن بعض التجار يحرقون بأنفسهم دفتر الديون كاملا لفك دين الغارمين قبل شهر رمضان تحديدا، حيث يعتبر الموعد الأهم خلال العام لعمل الخير ومنح الصدقات.

ولفت عارف إلى أن التاريخ العثماني كثيرا ما أظهر نساء الدولة العثمانية على أنهن مصدرا للخير والعطاء.

وتابع "أنشأت السلطانة صفية مسجد يني جامع (الجامع الجديد) في منطقة إيمنونو بإسطنبول، وهناك أسبلة ومستشفيات كثيرة باسم السلطانات العثمانيات، بينها السلطانة كوسيم".

‪السلطانة العثمانية "كوسيم" (مواقع التواصل)‬ السلطانة العثمانية "كوسيم" (مواقع التواصل)

روايات متناقضة
السلطانة "كوسيم" اسمها الحقيقي "أناستاسيا"، ولدت عام 1590، وهناك روايات تقول إنها ولدت في اليونان، وأخرى تشير إلى أن مولدها كان في البوسنة.

صنفتها المجلدات التراثية على أنها واحدة من أقوى النساء في التاريخ العثماني، وأكثرهن نفوذا.

أرسِلت "أناستاسيا" إلى إسطنبول للبيع في سوق الرقيق، لكنها بعد وصولها إلى القصر العثماني واعتناقها الإسلام فيما بعد، أطلقت على نفسها اسم "كوسيم".

أما لقبها "وجه القمر" فحصلت عليه بفضل حب السلطان العثماني الرابع عشر أحمد الأول لها (حكم من 1603 – 1617) وانبهاره بجمالها، وهو الحب الذي توج في النهاية بالزواج رغم معارضة والدة السلطان حينها، السلطانة هاندان.

اكتسبت السلطانة كوسيم سلطتها في الدولة العثمانية عن طريق زوجها الذي اعتبرها المفضلة بين زوجاته، ثم من خلال ابنهما مراد الرابع (حكم من 1623 – 1640) وإبراهيم الأول (حكم من 1640 – 1648)، وأخيرا من خلال حفيدها القاصر محمد الرابع (حكم من 1648 – 1687).

ورغم ما يحكى عن حبها لعمل الخير وبناء المساجد، وإجراء ينابيع المياه، فقد حيكت حولها روايات تشير إلى دهائها ورغبتها الدائمة في السيطرة على مقاليد الأمور.

وحسب الروايات، كانت "كوسيم" تمارس نفوذها بطريقة غير مسبوقة خلال 37 عاما، وكانت تستغل أي فرصة لعزل أبنائها وأحفادها من السلطة وإدارة الدولة، إن حاولوا تجريدها من نفوذها.

وبلغ بها هذا الأمر أن تخلصت من ابنيها السلطان مراد الرابع والسلطان إبراهيم الأول، ونصبت حفيدها من ابنها إبراهيم السلطان محمد الرابع الذي كان يبلغ من العمر حينها سبعة أعوام.

وجسدت شخصية السلطانة "كوسيم" في المسلسل التركي التاريخي "حريم السلطان.. السلطانة كوسيم" (2015 – 2017)، الممثلتان بيرين سات (في فترة الشباب)، ونور غول ياشيلتشاي (مرحلة عمرية متقدمة).

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من مرأة
الأكثر قراءة