مشغولات الجدات اليدوية تندثر فهل يسترجعها حجر كورونا؟

أيدي الجدات الماهرات التي علّمت أجيالا على الحرف والمشغولات اليدوية (بيكسابي)
أيدي الجدات الماهرات التي علّمت أجيالا على الحرف والمشغولات اليدوية (بيكسابي)

هلا الخطيب-بيروت

تعتبر الأعمال اليدوية واحدة من الأنشطة التي يمكن للسيدات القيام بها أثناء الحجر المنزلي لإنتاج مشغولات جميلة تستعيد مهارات الجدات.

وكانت هذه المشغولات ترافق جهاز العروس التي كانت تفاخر بعدد القطع التي اشتغلتها يدويا وبتعدد أشكالها. واليوم بالكاد تحمل العروس غرضا يدويا في جهاز عرسها. 

فقديما قلما خرجت عروس -في الأرياف خاصة- من دون حقائب تسمى "جهاز العروس"، تحتوي على أغطية طاولات وأَسِرة ووسادات مشغولة بيديها وبمساعدة صديقاتها المقربات.

‪شيالات صغيرة كورشيه مطرزة‬ (الجزيرة)

وزعت جهاز عرسها على أولادها
تقول إلهام جبيلي إنها حملت في جهازها حقيبتي سفر كبيرتين من المشغولات اليدوية، صنعت هي بعضا منها كما ساعدتها والدتها، وصديقتاها الحميمتان دليلة وماري في بعضها الآخر. ولم تبخل جارتها عليها ببعض القطع اليدوية الأنيقة لطاولات القهوة والتلفزيون وأغطية أباريق المياه وأطراف السرير.

تعلمت إلهام حياكة الصوف وبعض قطب الصنارة (الكروشيه) إضافة إلى التطريز على ما يسمى "الطارة"، وهي عبارة عن دائرتين خشبيتين متداخلتين تشدان قطعة القماش المرسوم عليها شكل ما، وردةً أو عصفورا، ليكون التطريز بالإبرة والخيطان الملونة عليها أنيقا ومتقنا، كما قالت للجزيرة نت.

قامت إلهام أيضا بحياكة كنزات الصوف، وتفصيل الثياب وحياكتها لزوجها وأولادها، ونقلت أشكال القطب وتفاصيل الخياطة عن مجلة شهيرة تدعى "بوردا" (Burda) -وهي مجلة ألمانية تأسست عام 1950، تهتم بالموضة، وتصدر نسخة منها بالعربية- عرفتها نساء جيلها ولا تزال حتى اليوم، وتفخر أن لديها عددا لا يستهان به منها.

حاولت إلهام تعليم بناتها شيئا من هذه المهارات، لكنها تعتبر أنها فشلت بسبب عدم اهتمامهن من جهة، وطول فترة عملهن الذي يأخذ وقتا طويلا من النهار.

إلهام لم تفرط بأي من مكونات جهازها اليدوية، وما لبثت أن وزعته على بناتها عندما تزوجن وكذلك على كَنّاتها (زوجات أبنائها).

‪حقيبة كروشيه بسيطة الصنع‬ (بيكسابي)

العمل اليدوي يساعد في التفكير والتركيز
وتعتبر إلهام أن العمل اليدوي يساعد في التفكير والتركيز والشعور بالمسؤولية، وأخيرا الرضا إذا أنتج الشخص قطعة جميلة. وتضيف أنه يحمل قيمة إضافية لأنه جهد بشري محض لم تدخله آلة. وفيه الكثير من الحب والاهتمام كما تشير.

وتنصح الصبايا القابعات في ظل الحجر المنزلي إحياء هذه المهارات اليدوية من جديد، فهي تحتاج إلى وقت، والوقت متاح الآن كما تذكر. وتقول إن تعلم هذه المهارات يعلم الصبر أيضا والإصرار، ويمنح الفرح لكون الجهد يثمر ويصبح للوقت معنى. وهو برأيها يشبه التأمل لأنه يحتاج إلى تركيز كبير وصبر وحب.

‪"حِرام" من الكروشيه الملون‬ (بيكسابي)

جهاز عروس يدوي الصنع
"عندما تشتري شيئا صُنع باليد، فأنت لا تشتري مجرد غرض، بل تشتري مئات الساعات والتجارب والإحباط والأمل والطموح ولحظات من المتعة، أنت لم تبتع شيئا واحدا فقط بل تشتري جزءا من روح وقطعة من حياة شخص آخر، أنت تأخذ قطعة صنعت لك بحب". هذا اختصار لشغف رندا بو رسلان بعملها بالمشغولات اليدوية كما تخبر الجزيرة نت.

وتقول رندا إنها تعلمت من جدتها التي كانت تلازمها كظلها الحياكة بالصنارة (الكروشيه). تعلمت الجدة الحياكة بعد أن قتل ولداها أثناء الحرب، وأصيبت بأعصابها فنصحها الطبيب أن تعمل بيديها أي شيء ليساعدها في النسيان -ولو قليلا- فكانت الحياكة التي ملأت حياتها لدرجة أنها كانت تعمل على ضوء قنديل الكاز (الكيروسين أو الجاز).

علّمت الجدة حفيدتها رندا حياكة الصوف، فحاكت "شيالات" أي القطع القماشية التي تمسك فيها الصواني الساخنة، ثم تعلمت التطريز وحدها، ولأنها تحب المشغولات اليدوية حضرت جهازها كعروس، فحاكت أغطية للطاولات وشيالات ووجوها للوسادات، وكان جهازها بالكامل مشغولاً بيديها. ويحتوي على مشغولات كروشيه أي بخيوط رفيعة وخيوط الحرير.

شغف الإبرة والخيط
وعندما رزقت رندا بأولادها كانت تخيط لهم القبعات والكنزات وشالات الصوف والجوارب، فتنقل بعض الأفكار من المجلات، أو تبتكر قطبا وأشكالا جديدة.

وبسبب شغفها بهذه المشغولات فتحت رندا محلاً لها سمته "إبرة وخيط" يختص بكل أنواع الخيوط والصنارات والإبر ومعدات التطريز كاملة، تبيع فيه المواد الأولية، إلى أن قررت منذ عشر سنوات أن تحيك للتجارة والبيع، وأصبح لديها عدد من العاملين والعاملات.

تقول رندا للجزيرة نت، إنها عملت على أجهزة الأطفال حديثي الولادة بالكامل من البنطلون والجاكيت والقبعات والجوارب. وتضيف عليها تطريزات بالإبرة، والدانتيل وسواها. ثم بدأت تطرز الحقائب وأشكالا للزينة توضع على الثلاجات بعد وضع مغناطيس لها.

وكذلك بوندات للفتيات (طوق الشعر)، وأسماء مشغولة بالكروشيه على قبعات القش. ولا تزال ترغب بتجربة ابتكار كل جديد.

وتعتبر أن العمل اليدوي يختلف عن صناعة الماكينات من حيث التحكم بالألوان والنقوش وتفاصيل القطعة، فعمل ماكينات الذي مهما كان متقنا فهو برأيها لا يقارن بالشغل اليدوي الذي فيه الفن والحس الإنساني الجميل.

وتبين أن السيدة تستطيع أن تعدل ما تريد ولا تنقله حرفيا من "الجورنال"، فتضع لمستها، أو تضع شطحات (بنات أفكارها المجنونة) من خيالها.

‪قبعات القش مطرزة بالأسماء من شغل رندا بو رسلان‬ (الجزيرة)

استعادة مجد المشغولات اليدوية
وتأسف رندا لهذا الجيل الذي لم يعد يهتم بهذه المشغولات، وأصبح الناس يفضلون كل شيء جاهزا.  وهي لم تعلم أحدا هذه الحرفة لأن أولادها ذكور، ومن البديهي ألا يهتموا بهذا المجال، وشقيقاتها لم يبدين الرغبة بتعلمها.

وتؤكد رندا أن هذا العمل يمنح بهجة لمن يقوم به، لأن الشخص يعطي من ذاته وأفكاره وموهبته وجهده، ويملأ وقت الفراغ بما هو فني وجميل، فينسى الهموم والتعب وكل ما حوله، ويركز في إنتاجه. وتتمنى أن يعود مجد هذه المشغولات على يد الصبايا، وترى أن وقت الحجر المنزلي الآن مناسب جدا، خاصة أن الكثير من فيديوهات هذه الأعمال تشرح بدقة كيفية تنفيذها.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

مع إيقاع الحياة العصرية، أصبحت الأعمال اليدوية تقدم كورشات للتداوي من الاكتئاب ومن ضغوط الحياة ورتابتها، وتدعو المشاركين إلى حياة ميزتها الاسترخاء، وإعادة تشكيل الخبرات والتجارب الانفعالية، وتحقيق الذات.

المزيد من مرأة
الأكثر قراءة