سميرة مزعل.. مصورة عراقية اعتقلت وواجهت صعوبات بسبب مهنتها

سميرة في حوار مع الجزيرة نت
سميرة في حوار مع الجزيرة نت

مهدي الساعدي-ميسان

حياتها ممزوجة بالكثير من الألم، وشهرتها تجاوزت مدينتها العمارة (مركز محافظة ميسان جنوب بغداد) إنها المصورة الأولى جنوب العراق سميرة مزعل (74 عاما). كفاحها المهني والسياسي امتزجا معا في حياة المرأة الجنوبية ليرسم لها صورة التقطها الواقع المجرد، وأعطاها مكانتها الحقيقية كأيقونة لمدينة تغفو على هدير الماء.

عشقت الكاميرا ومارست التصوير وهي غضة العود. تنتمي لعائلة رافقها الصندوق الخشبي ذو الركائز الثلاث والذيل الأسود الطويل الذي تخفى الرؤوس فيه وتخرج منه أشكال على ورق مطابقة لمن كان يجلس أمامها، الأب والجد لأمها وإخوانها ثم أولادها اشتركوا في مهنة عالم الفوتوغرافيا.
 
فقد والدها (أقدم مصوري العمارة) بصره بخطأ طبي، فأضحت عينه التي يبصر بها، حصلت على شهادة ممارسة المهنة عام 1962 من وزارة الإرشاد آنذاك ولم تتجاوز 16 عاما، وواجهت العادات والتقاليد التي كانت تغل يد المرأة وتقتل إبداعها.

خلال ممارسة عملها (الجزيرة)

بداية المشوار
تقول سميرة "لا زالت أتذكر مواقف كثيرة بداية مشواري مع التصوير، منها وقوفي على رصيف ركنت عليه كاميرتي الشمسية قرب بيتنا لفترة طويلة، في نهار شتاء بارد ممطر من أجل الحصول على لقمة العيش، ففاجأتني أمي وبين يديها موقد من النار لتخفف من قساوة البرد، إلا أن الموقد أطفأه المطر".  

تعرضت للاعتقال بسبب نشاطها السياسي عام 1963، وصودرت كاميرتها وأودعت السجن في بغداد بعد أن صدر عليها حكم الحبس لخمس سنوات، الصلابة التي كانت تتميز بها أصبحت مضربا للأمثال رغم حداثة سنها وهي بنت 17 ربيعا، جمعها سجن النساء بشخصيات نسوية كبيرة، ونتيجة تعرضها لوعكة صحية نقلت للمستشفى في بغداد.
 
وصل خبر اعتقالها ووضعها الصحي الحرج للكاتب والفيلسوف البريطاني برتراند راسل داعية السلام، فنظم على إثرها حملة واسعة لإطلاق سراحها شاركه فيها رؤساء وقادة دول أمثال خروشوف وأنديرا غاندي، مما ولد ضغطا على العراق الذي كان يرأسه حينها عبد السلام عارف، وأطلقت سراحها.

أول مصورة عراقية جنوبية محترفة (الجزيرة)


السجن
لم يدم أمرها خارج السجن طويلا، فعاودت السلطات اعتقالها مرة أخرى، لتقضي طورا من حياتها متنقلة بين سجون بغداد والعمارة والبصرة، ولم يطلق سراحها إلا بعد مقابلة والدها الضرير للرئيس عبد الرحمن عارف والتماسه بالإفراج عنها.
 
تقول المصورة عن قساوة السجن "عانيت من سجن البصرة كثيرا، بسبب سوء حالتي الصحية بعد انفجار قرحة المعدة في سجن النساء في بغداد، وسوء معاملة رجال الأمن وحتى بعض السجينات اللواتي كان أغلبهن فتيات هوى، ولا أنسى المواقف الإنسانية للمطرب الميساني المعروف سلمان المنكوب الذي كان سجينا وقتها ومشرفا على توزيع الطعام".
 
افتتحت استوديو خاصا بالتصوير ومارست مهنتها بكل احترافية، رغم المراقبة الأمنية التي كانت لصيقة بها والتفتيش المستمر المصحوب بتكسير أدوات التصوير خاصتها، فما كان منها إلا أن تغير محل عملها حتى استقرت في استوديو ضمنته بيتها القريب من نقابة العمال بالمدينة.

صورة التقطتها في العمارة قبل عقود (الجزيرة)



شغفها بعملها الذي نذرت له عمرها لم يشغلها عن إكمال مسيرة حياتها وإبداعها في فنون تواصلها مع مجتمعها، فكانت زوجة وأما كما كانت أختا، ولا زالت مواقفها عالقة في أذهان أبناء مدينتها، وقد عرف عنها إيواء المحتاجين فنادرا ما يكون بيتها فارغا من مسكين جائع أو مشرد وجد عندها المأوى.
 
فكرها المتحرر كان مكملا لعين عدستها، وقد توزع رصدها بين وضع المرأة الميسانية ومعاناتها، وبين بؤس المشردين والمعدمين، وبين حياة سكان الأهوار، ومناظر المدينة التي تخترقها الأنهار سواء بالأسود والأبيض أو بالألوان، ونقلتها إلى مدارات أوسع وفضاءات أرحب، خلال مشاركتها في المعارض الفنية المحلية والدولية، التي واكبتها منذ سبعينيات القرن الماضي، وحصدت خلالها جوائز وشهادات تقديرية. 

صورة أخرى بعدسة سميرة (الجزيرة)

 شاركت إبان حرب الخليج الأولى في تنظيم مظاهرة بمدينة العمارة، عكست غضب الشارع الميساني على سوء الأوضاع والتعرض لحرب خاسرة بعد اجتياح دولة الكويت، وقد تعرض منزلها لقصف صاروخي من قبل قوات التحالف، أخطأ هدفه ووقع في الباحة الخلفية لمنزلها.
 
تعرضت سميرة لاعتقال آخر، حيث أودعت سجن الرضوانية في بغداد، وبدوره أخذ منها مأخذا كبيرا، وكلما تحدثت عن اعتقالها تنحدر دموعها، فتمسحها تارة بشالها الأسود الذي عرفت بارتدائه منذ وقت أو بأصابعها التي تمر بثبات على وجنتيها لشدة ما تروي من أهوال رهيبة شهدتها بأم عينها.
 
تقول "لم يكتفوا بسجني في الرضوانية بل أودعوا معي أخي وعائلته بأجمعها حتى أطفاله الصغار بسبب وصولي إليه في بغداد بعد عناء خروجي من مدينة العمارة ولم تطل المدة حتى أتوا بابني الوحيد عادل وأخي خالد..".

من أرشيف المصورة الميسانية (الجزيرة)

سميرة ذات وجه مميز لم تفارقه الابتسامة على الرغم من مقدار الألم الذي عاشته، تحظى باحترام المجتمع، تفضل أن تكون بين زهورها ونباتاتها وهي تحمل المنجل بيدها في حديقتها التي تزين واجهة بيتها الأمامية المنعدمة السياج، تزرع النباتات وتقلم الأشجار وترتب الورود. 
 
أثار خبر وفاتها الكاذب حفيظة أبناء المدينة وأخذوا بشغف وبلهفة بالغتين يتلمسون مصادر نشر الخبر على مواقع التواصل الاجتماعي علها تكون غير جادة مع علمهم بعدم مصداقيتها، ولكن معها يكون الأمر مختلفا لأنها المرأة الأكثر شهرة وعطاء في مدينة ألفت العالم الذكوري لما لها من خصوصية عشائرية.
 
تقول سميرة "الموت لم يقدر لي بعد لسبب أساسي هو أن أنقل كل ما عشته ورأيته إلى الأجيال القادمة حينها تكون رسالتي في الحياة قد انتهت".

المصدر : الجزيرة