شيماء التونسية.. تفان في نقل معطيات فيروس كورونا إلى لغة الإشارة

شيماء عمدوني: تونس لا تولي العناية الخاصة بالصم (الجزيرة)
شيماء عمدوني: تونس لا تولي العناية الخاصة بالصم (الجزيرة)

منيرة حجلاوي-تونس

في الساعة الـ11 من صباح كل يوم يكون التونسيون المتابعون لآخر تطورات تفشي وباء كورونا في البلاد على موعد مع نشرة إخبارية من نوع آخر تقدمها الشابة شيماء عمدوني لمتابعيها بلغة الإشارة.

تقف شيماء جنبا إلى جنب حذو منصة فريق وزارة الصحة المخصصة في الموعد اليومي للمعلومات المتعلقة بهذا الفيروس في البلاد، تنقل كل ما يأتي على لسان الفريق إلى لغة الإشارة، ولا تترك شاردة ولا واردة إلا وتترجمها.

دخلت الفتاة الشابة دون استئذان إلى قلوب التونسيين الذين أجمعوا على احترافيتها وعلى إحساسها العالي الذي يظهر من خلال حركات يديها وتعابير وجهها وهي تستميت في الترجمة إلى لغة الإشارة. 

قلة مترجمي لغة الإشارة في تونس تعود إلى قلة مردودها المادي بحسب المتحدثة شيماء عمدوني (الجزيرة)

ولع بلغة الإشارة
اكتشفت شيماء ولعها بعالم الصم وبلغة الإشارة التي تميزهم عن الآخرين سنة 2014 بعد متابعتها أحد البرامج التلفزيونية التي تحدثت عن هذه الفئة في تونس، وكانت محظوظة باكتشافها أنه يتم تدريس هذه اللغة في الجامعات التونسية.

وانضمت الفتاة إلى المعهد العالي للعلوم الإنسانية ابن شرف بتونس، ودرست لغة الإشارة وتعمقت فيها رغبة منها في التكوين الأكاديمي من جهة، وفي الولوج إلى عالم الصم وفهمهم ومساعدتهم في النفاذ إلى المعلومة من جهة ثانية، وحصلت على الإجازة الأساسية في لغة الإشارة.

حب عمرها
ولا تنظر شيماء (26 سنة) إلى ترجمة لغة الإشارة كعمل تقتات منه فحسب بالمشاركة في ترجمة الندوات الصحفية أو ترجمة مقاطع فيديو وغيرها، وإنما تمارسها "بعشق وتفان كبيرين لأنها حب عمرها"، كما تؤكد للجزيرة نت.

وحرصا منها على إيصال المعلومة إلى فاقدي السمع والنطق تعمل شيماء منذ مدة وحتى قبل ظهور فيروس كورونا في العالم على ترجمة أي معطى أو معلومة وطنية جديدة إلى لغة الإشارة، وتبث مقاطع ترجمتها عبر صفحتها على فيسبوك التي تلقى تفاعلا شديدا من متابعيها وأصدقائها.

شيماء في بهو وزارة الصحة مع عميد مترجمي لغة الإشارة في تونس الاستاذ منصف بن عز الدين (الجزيرة)

التطوع لإيصال المعلومة
لم تكتف الفتاة الشابة بالتعليم الأكاديمي فحسب، بل انخرطت في العمل التطوعي مع الجمعية التونسية لمترجمي لغة الإشارة التي تأسست سنة 2016، فنجحوا في تأمين ترجمة الانتخابات البلدية والتشريعية والرئاسية تونس 2019 وحتى المناظرات التلفزيونية إلى لغة الإشارة بالتعاون مع الهيئة العليا المستقلة للانتخابات.

وتعمل هذه الجمعية على التأهيل في مجال تعلم لغة الإشارة، وضمان حق ذوي الإعاقة في الوصول إلى المعلومة وتشغيل منظوريها.

وببادرة من المجتمع المدني وهذه الجمعية جاءت فكرة التعاون مع وزارة الصحة لترجمة كل ندواتها والومضات التوعوية المتعلقة بتفشي وباء كورونا في تونس وطرق الوقاية منه إلى لغة الإشارة، حيث جندت الجمعية فريقا كاملا متطوعا لهذا الغرض.

وتشدد شيماء على وجود جمعيات عدة ناشطة في مجال التأهيل في لغة الإشارة في تونس، مثل صوت الأصم، والأكاديمية الرياضية والتربوية للصم بتونس. 

احترام حق الصم
غير أن مجهودات المجتمع المدني في هذا الإطار لا تكفي، بحسب شيماء التي تلاحظ نقصا كبيرا في العاملين في مجال تعلم لغة الإشارة نظرا لقلة مردود هذه الوظيفة المادي.

من جهة ثانية، تعيب الفتاة الشابة على الدولة التونسية عدم العناية الخاصة بالأطفال فاقدي السمع والنطق من خلال تعليمهم النطق "قسرا"  في المدارس وتلقيهم نفس دروس التلاميذ الأصحاء وبالطريقة ذاتها، دون مراعاة خصوصيتهم واحترامها.

كما تنتقد بشدة عدم احترام حق الصم في الوصول إلى المعلومة من خلال عدم تأمين مترجم لغة إشارة في النشرة الرئيسية للأنباء في التلفزيون الوطني كمرفق عمومي، وحتى في القنوات التلفزيونية الخاصة.

واستغربت عدم توفير مترجمي لغة إشارة خلال بث خطابات رئيسي الجمهورية والحكومة التونسيين بخصوص تفشي وباء كورونا في البلاد، منتقدة إقصاء فئة من المجتمع التونسي في الحصول على المعلومة في ذروة أزمة تعيشها البلاد، وفق تعبيرها.

شيماء  مع عضوة الجمعية التونسية لمترجمي لغة الإشارات فايزة القنوني ومدرس لغة الإشارة منصف بن عز الدين (الجزيرة)

لغة ثرية
وبالنسبة لشيماء، فإن للغة الإشارة عالمها الخاص، وهي ثرية تضم كل معالم اللغة من نحو وصرف وبإمكان الجميع تعلمها، وعلى المقبل عليها فقط أن يتحلى بالرغبة الحقيقية والصادقة حتى ينجح في مبتغاه، وأن يحتك بمن يتكلمونها حتى يجيدها.

ولم تخف أسفها لقرار وزارة الصحة تعليق عقد الندوات الصحفية اليومية إلا للضرورة والاكتفاء بإصدار بيانات إعلامية، متسائلة عن مصير الصم في الوصول إلى كل المعلومات المتعلقة بالفيروس في تونس، خاصة أن أكثر من 90% منهم لا يجيدون القراءة والكتابة.

وتؤمن الفتاة الشابة بأن الجميع في تونس سواسية على اختلاف لغاتهم وألوانهم، وأنه بإمكانهم العيش مع بعضهم البعض، وأن لغة الإشارة تحمل في طياتها رسالة نبيلة إلى الناس وليست مجرد حركات.

 
المصدر : الجزيرة