نساء يروين حكايات العمر المعلب في غرض.. وراء كل تحفة قصة وبلد ورحلة

كل زوايا منزل ليلى يوسف مليئة بقطع تراثية تروي قصصا من أماكن مختلفة (الجزيرة)
كل زوايا منزل ليلى يوسف مليئة بقطع تراثية تروي قصصا من أماكن مختلفة (الجزيرة)

شغف رافقها 50 عاما، بدأ مع زواجها واستمر بعد رحيل الزوج؛ ليلى يوسف تحكي للجزيرة نت عن جمع "الأنتيكا والعتق".

كان زوجها هاويا جمع العملة القديمة، وشاركته هذه الهواية، وأضافت أغراضا لم تعد قادرة أن تحصيها؛ أقدمها مسابح ومفاتيح لأبواب لم تعد موجودة، وجرات فخارية.

وتقول ليلى إن العمر والحنين مزروعان في الأغراض القديمة، وبعض هذه المقتنيات -ولكثرتها- تقبع علب تحفظها من الغبار ومرور السنين، وبعضها مرصوص على رفوف منزلها الذي لا تخلو زاوية فيه من "العمر المعلب في غرض"، وتُستخدم لإضفاء التراث والأصالة على المشهد العام، ووراء كل تحفة قصة وبلد ورحلة.

أغراض أخرى لم تحل بعد على التقاعد، فلا تزال قيد الاستخدام، خاصة النحاسيات والفخار. وتشير إلى أن أغراضا كثيرة ضاعت بسبب الحروب في لبنان.

نقود قديمة جمعها زوج ليلى الراحل ولا تزال تحتفظ بها (الجزيرة)

تحف للاستخدام

وتقول ليلى إن هذه الأغراض تحمل ذكرى من استخدمها، وهي تذكرها ببيت جدها وجدتها وبزوجها، ولا تتوانى عن شراء المزيد دوما؛ فكلما سافرت إلى أوروبا أو أي دولة تبحث عن الأسواق القديمة، وتأتي منها "بالحراتيق" (القطع الصغيرة)، وتضمها إلى المجموعة، وتخصص لها حقيبة سفر كاملة.

من هذه الأغراض "بوابير الكاز"، حيث قامت ليلى منذ سنوات باستخدامها أثناء أزمة الغاز، أما الفخاريات فهي تستخدم حتى الآن، وكذلك المقالي والطناجر تستخدم في الطبخ، والأباريق لشرب الماء.

كما أنها تقوم بتبييض طناجر النحاس سنويا، وتستخدمها في الطبخ، ولغلي الحليب الطازج، كما تحضر المونة كاملة بها، "لأنها تعطي طعما أفضل، إضافة إلى كونها صحية"، أما البعض الآخر فتتركه معتقا للديكور، وتمسح عنها الغبار.

أباريق الفخار المزخرفة تهتم النساء باقتنائها وهي صالحة للزينة والاستخدام اليومي (الجزيرة)

القذائف ديكور!

ومن مقتنياتها "قذائف جمعها الشباب بعد أن قصفوها على الاحتلال الإسرائيلي، الذي بقي فترة في منطقة مشغرة في البقاع الغربي". وتستخدم بعضها كمزهريات أو ديكور، وهي قذائف نحاسية بعضها أطول من متر. وتقول إن لديها "غنائم حرب أيضا" عندما خرج الإسرائيليون من لبنان، ومنها شمعدان يهودي، وصحن نحاسي عليه النجمة السداسية.

الراحة النفسية في "العتق"

وتذكر ليلى أن هذا الاهتمام بجمع الأغراض القديمة رافقها منذ طفولتها، حيث كانت تقضي وقتها في بيت جدها، وتذهب مع جدتها إلى عين القرية للاستحمام ونقل الماء إلى البيت عبر الجرار، وكانت تساعد جدتها في حمل الجرار الصغيرة، وتشاهدها وهي "تخض" (تهز) اللبن في الجرة.

وترتاح نفسيا لوجود هذه الأغراض حولها، ولا تحب الأشياء الجديدة، وتشعر بأنها بلا روح.

خناجر وسيوف وأجران وأحجار ومغاسل قديمة وراديو قديم ومحمصة ومطحنة؛ هذه بعض الأغراض، كما أنها تجمع المجوهرات القديمة ذات الأحجار الكريمة، التي تضعها في محفظة وتتزين بها في بعض الأحيان.

وعما إذا أورثت أولادها حب جمع الأشياء القديمة تقول إن ابنتها حسانة تحب ذلك، ولكن بشكل أقل منها.

الراديو القديم الذي يوجد لدى معظم هواة "الأنتيكا" (الجزيرة)

كلبة على ظهر حمار

لكل شيء في بيت ليلى قصة، وعلى المدخل قصة في صورة أخذتها ليلى قديما بكاميرتها؛ عندما وجدت أن كلبة زوجها تقف على ظهر حمارة والدها، فطلبت منها البقاء، وسارعت إلى المنزل لجلب الكاميرا، وأخذت هذه اللقطة التي نشرت حينها في إحدى الصحف المحلية..

المدفأة القديمة في بيت ليلى وتحيطها أيضا قطع قديمة مختلفة (الجزيرة)

من الجدة إلى الكنة

من جهتها، تخبر ليال أبو علي أنها ورثت من جدتها عقدا من اللؤلؤ، وخاتما وسوارا من والدتها، ومرت هذه المجوهرات على أكثر من جيل قبلها، وهي بالتالي أورثتها كنتها مع شرط ألا تبيعها وتورثها لابنتها أو كنتها، وهي تطمئن دوما أنها لا تزال بحوزتها.

وتقول للجزيرة نت إنها دائما تبحث عن المجوهرات القديمة التي تباع في الأسواق الشعبية، معتبرة أنها ثروة إنسانية قبل أن تكون مادية. وتضيف "أستطيع أن أشعر بطاقة من استعمل هذه الأغراض أو لبسها، فهذه الأغراض تحمل ذكريات، لذلك نشعر براحة تجاهها".

وتقول إن زوجها يعتبرها مهووسة بالأغراض القديمة وقصص الطاقة، وهو يفضل كل ما هو حديث وغير مستخدم، وتشير إلى أنها لا تستخدم كل ما تشتريه، إذ إن بعضه لا يُلبس إما بسبب وزنه الثقيل أو حجمه، رغم أنها أحيانا تشعر بأنها تبالغ بوضع بعض الأطواق القديمة الكبيرة، وتقول إنها تشعر بالراحة النفسية مع أن بعضها يسبب لها ألما في الرقبة والأكتاف.

وينحصر اهتمام ليال في المجوهرات أو المجوهرات الزائفة والأحجار الكريمة ونصف الكريمة، ولا تشدها الأدوات الأخرى ما عدا ركوة قهوة تركية قديمة كانت لجدها، وتقول إنها لا تجد القهوة لذيذة إلا بها.

قوارير العطور التراثية تستهوي النساء عاشقات "الأنتيكا" (الجزيرة)

إنها هواية

تقول المعالجة النفسية خلود ناصر للجزيرة نت إن الاحتفاظ بالأغراض إذا كان خارجا عن المألوف ومبالغا فيه، بحيث يؤثر على نظافة وترتيب مكان الإقامة؛ يكون في إطار العوارض النفسية.

أما إذا اقتصر الأمر على جمع النقود القديمة والطوابع وأغراض أخرى، فإن علم النفس ينظر إليه فقط ضمن إطار الهواية الطبيعية. لأن "غير الطبيعي" هو عندما تؤثر عادة أو فعل ما بشكل سلبي على حياتنا ونستمر فيه، مما يطرح سؤالا حول الصحة النفسية.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

أطلقت التشكيلية اللبنانية فاطمة ضيا العنان لريشتها وألوانها وترجمت مشاعرها لتبدع في تجسيد انفجار بيروت بلوحة تحمل عنوان “الملائكة الصاعدة”، وضعتها في مزاد إلكتروني بهدف دعم ضحايا الانفجار.

8/10/2020
المزيد من مرأة
الأكثر قراءة