مقهى ألزهايمر.. فضاء أسري لاحتواء المصابين بالمرض في تونس

في احترام لإجراءات التباعد الاجتماعي، ارتدى عدد من المصابين بمرض ألزهايمر كماماتهم، وتجمعوا  مع عدد من أسر المرضى ومختصين ومواطنين، حول مائدة مستديرة بفضاء دار ثقافة ابن رشيق بالعاصمة تونس لحضور انطلاق "مقهى ألزهايمر"، قادمين للحصول على أجوبة عن أسئلتهم وهواجسهم.

افتتاح المقهى بشرب القهوة مع قليل من المرح، من القوانين الأساسية التي وضعتها صاحبته الشابة التونسية مُنى عيساوي المختصة في علاج ألزهايمر بالموسيقى، للخروج باللقاء من الإطار الرسمي إلى جو أسري قائم على الثقة والاحترام المتبادل والتلقائية.

لطالما راودت فكرة المقهى مُنى (28 عاما) وهي التي جمعت في شخصيتها بين عشقها للموسيقى فدرستها، وعشقها لعلم النفس فتخصصت فيه، وكان هدفها المزج بينهما وتوظيفهما لكشف خفايا مرض ألزهايمر، ومحاولة إيجاد حل نفسي لمساعدة المصابين به على العيش لفترات أطول وبراحة نفسية أكبر.

مُنى خلال تنظيمها افتتاح مقهى ألزهايمر بفضاء دار ثقافة ابن رشيق بتونس (الجزيرة)

مقهى ألزهايمر

بعد تردد سببه انتشار وباء كورونا في البلاد، اختارت مُنى ابنة محافظة نابل (شمال شرقي تونس) تاريخ 21 سبتمبر/أيلول الماضي الموافق لليوم العالمي لمرضى ألزهايمر، لانطلاق أول "مقهى ألزهايمر" لما لهذا الموعد من رمزية مهمة.

ومن أهم أسباب إطلاق مُنى فكرة المقهى احتكاكها المباشر بمرضى ألزهايمر وبأسرهم، واكتشافها حالة الخوف والخجل الرهيبة -حسب وصفها- التي تمنعهم من مواجهة وتقبّل هذا المرض، واعتباره عيبا ووصمة عار، إضافة إلى التعامل السلبي والخاطئ مع المصاب به بعزله عن المحيط الخارجي.

وتؤكد الشابة للجزيرة نت، أن باب المقهى مفتوح أمام الجميع دون استثناء من مصابين بهذا المرض ومختصين وعائلات ومواطنين مهتمين به، وأن قوانينه تقوم على قبول الآخر دون أي أحكام مسبقة.

جانب من المشاركين في أول مقهى ألزهايمر في مدينة نابل (الجزيرة)

أهداف المقهى

ويهدف المقهى وفقا لصاحبته، إلى تبادل ومشاركة الحاضرين فيه تجاربهم مع مرض ألزهايمر وطرح تساؤلاتهم والحصول على أجوبة مقنعة من المختصين تضع حدا لشكوكهم وحيرتهم، وتخرجهم من قفص المواضيع المحظورة إلى النقاش العلني للتخفيف من معاناة المصابين به.

وتأمل مُنى أن تعم الفائدة كل من له صلة من قريب أو من بعيد بهذا المرض، وتشدد أنها ترغب بكل جوارحها في تقاسم مواهبها ومعارفها في هذا المجال مع الآخرين، وأنها "تطوّعت مجانا رغبة وحبا منها للعمل الإنساني لا غير".

كما تسعى جاهدة أن تتنقل بالمقهى إلى كافة المناطق التونسية، وأن تلتقي بالفئات المحرومة التي تجهل حقيقة مرض ألزهايمر، وليست لديها الإمكانات المادية للاستشارة الطبية والعلاج على حد سواء، والأهم بالنسبة لها أن يكون "الفضاء حرا متاحا للجميع".

تفاعل إيجابي

ولم يمنع تزامن انطلاق مقهى ألزهايمر مع ذروة انتشار فيروس كورونا في البلاد من حصد مُنى تفاعلا إيجابيا تجاه مبادرتها سواء من حيث عدد المشاركين أو رسائل التشجيع والدعم التي تلقّتها، مما زاد من عزمها على الاستمرار والنجاح.

كسر حاجز الصمت والخوف أبرز أهداف مقهى ألزهايمر  (الجزيرة)

تحديات وحواجز

غير أن كل فكرة جديدة تصطدم ببعض الحواجز ومقهى ألزهايمر لم يكن بمعزل عنها، وعلى رأسها خوف الناس من الحديث عن مرض ألزهايمر، وخجلهم من انتشار أخبار وصور مشاركتهم في المقهى، وفقا لتصريحها.

وانتقدت مُنى بشدة اهتمام وسائل الإعلام "المناسباتي" بمرض ألزهايمر، وعدم تسليط الضوء على مبادرتها الفردية للتعريف بها وإيصالها إلى عموم التونسيين.

ولم تنس إشكالية تغييب أصحاب بعض الفضاءات الجانب الإنساني من وراء تنظيم مقهى ألزهايمر، وتغليبهم جانب الربح المادي من خلال فرض أسعار مرتفعة لإيجار الفضاءات، خاصة وأنها لا تنتمي لأي جمعية، كما تؤكد للجزيرة نت.

منى عيساوي: أحاول توظيف الموسيقى وعلم النفس لمساعدة مرضى ألزهايمر  (الجزيرة)

رسالة نبيلة

ليست مُنى من أولئك الشباب الذين يستسلمون أمام أول حجر عثرة يقع أمامهم، بل هي من أولئك الذين ينحنون ويأخذونه ويرمونه بعيدا عن طريقهم، لذلك قررت الاستمرار في مبادرتها متحدية كل الصعاب إيمانا منها بأهمية رسالتها النبيلة.

وتوضح في هذا الصدد "لا أعد المصاب بـ(ألزهايمر) مريضا بل هو إنسان مختلف فقط، وعلينا تقبل هذا الاختلاف وأن نحسن التعامل معه ونفهمه ونتفهمه".

وتلخّص مُنى رسالتها لأسر مرضى ألزهايمر الذين يتألمون ويرفضون قبول إصابة أحبائهم، قائلة "نحن والمقهى هنا من أجلكم لتقديم الدعم المعنوي والنفسي لكم، بابنا مفتوح للإصغاء لمشكلاتكم وللإنصات حتى لصراخكم وبكائكم، عليكم فقط كسر حاجز الصمت والخوف".

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

الترابط الاجتماعي جزء جميل من الطبيعة البشرية، فالعزلة الاجتماعية تشكل خطرا كبيرا على الصحة أكبر من خطر الوفاة جراء الإصابة بفيروس كورونا، الذي قد يقضي على نظام الأسرة المصغرة، ولن يكون ذلك أمرا سيئا.

المزيد من مرأة
الأكثر قراءة