خلدت حكايتها قصيدة.. حيزية بطلة أشهر قصة حب في تاريخ الجزائر

قبر حيزية في سيدي خالد، بسكرة، الجزائر.
قبر العاشقة حيزية في سيدي خالد بمدينة بسكرة (الجزيرة)

سارة جقريف-الجزائر

يرتبط اسم "حيزية" بأشهر قصة حب في تاريخ الجزائر، وتوصف بطلتها بـ"جولييت البلاد" وأيقونة "العشق"، ويتداول الناس حكاية هيامها برجل من قبيلتها، وتمسكها به رغم الضغوط الممارسة عليها، لتنتصر في النهاية وتتزوج بحبيبها لكن الموت خطفها بعد فترة قصيرة من ذلك، ليتحول قبرها إلى معلم أثري وسياحي، وتتحول قصتها إلى قصائد شعرية وروايات أدبية وأغان شعبية.

قصة عشق امرأة بدوية
حسب الرواية الشائعة، فإن حيزية بوعكاز بنت أحمد بن الباي شابة جزائرية من عرش الذواودة، ولدت عام 1855، وعاشت حياة بدوية في الخيم متنقلة مع قبيلتها بين قرية سيدي خالد بمدينة بسكرة جنوب الجزائر، ومنطقة بازر في العلمة شرقي الجزائر.

جمعتها علاقة حب قوية بابن عمها "سعيد" الذي نشأ يتيما وكفله والدها، قبل أن يطرده بعد انتشار أخبار عشقهما خوفا على سمعة ابنته، ومحاولته تزويجها عنوة لأحد فرسان القبيلة الذين كانوا يتسابقون للفوز بقلبها لشدة جمالها وسحرها.

لكن حيزية تمسكت بحبيبها ورفضت الخضوع لجبروت والدها وقبيلتها، وبعدما ذاقت مع حبيبها الأمرّين استسلم الجميع وأقروا زواجهما، لتصاب بمرض خطير وتتوفى بعد فترة وجيزة من زواجهما وعمرها لا يتجاوز 23 سنة.

وحسب الرواية، غادر سعيد القبيلة بموت حيزية وتاه في الصحراء.

‪هيثم باديس أمام قبر حيزية خلال زيارته لمنطقة سيدي خالد‬ (الجزيرة)
‪هيثم باديس أمام قبر حيزية خلال زيارته لمنطقة سيدي خالد‬ (الجزيرة)

مزار للسياح والعشاق
أصبحت مدينة سيدي خالد في بسكرة بوابة الصحراء الجزائرية حيث ولدت حيزية مزارا للسياح والعشاق الذين يقصدونها من العراق وسوريا وبلجيكا وغيرها.

ويروي الشاب الجزائري هيثم باديس (23 عاما) للجزيرة نت رحلته للمنطقة "كنت أسمع بقصة حيزية مثل الجميع، لأنها معروفة عندنا في المدن الشرقية كأعظم قصة حب جزائرية، في ديسمبر/كانون الأول 2019 قمت برحلة سياحية إلى مدينة بسكرة، وفي سيدي خالد بالضبط وقفت عند قبرها، وسمعت روايات السكان عنها، ووجدت المكان ساحرا يستحق الزيارة والتأمل".

ويضيف أن "السياح يأتون للمنطقة من مختلف أنحاء العالم، ومنهم من يقيمون هناك لعدة أيام لاكتشاف تاريخ المكان".

ويقول الإعلامي والشاعر عبد العالي مزغيش للجزيرة نت إن مجموعة من القبور تحيط بقبر حيزية داخل مقبرة عرش الذواودة الذي تنتمي إليه، وليس بعيدا عن المقبرة يجد الزائر نفسه أمام مسجد خالد بن سنان العبسي الذي تختلف الروايات في حقيقته، لكنها جميعها تتفق على أن قصة الحب بين حيزية وسعيد وقعت فعلا.

خلدتها قصيدة شعرية
لم تكن حيزية المرأة الجزائرية الوحيدة التي عاشت قصة حب عنيفة وقتها، ولكن الفضل بتخليدها تاريخيا وشهرتها يعود إلى قصيدة بعنوان "حيزية" كتبها الشاعر محمد بن قيطون بطلب من حبيبها "سعيد" بعد وفاتها.

وتأخذ قصة حيزية شهرتها من شهرة النص الشعري الذي يحمل اسمها، فلولا قصيدة الشاعر ابن قيطون ما كان لهذه القصة أن تعرف طريقها إلى التاريخ وتصبح أيقونة قصائد الشعر البدوي في الحب، وغناها كبار المطربين في المنطقة وخارجها، بحسب الشاعر عبد العالي.

ويبين أن الشاعر ابن قيطون أبدع حين عبر عن مكنونات العاشق المفجوع "سعيد"، وانتشرت القصيدة حين غناها خليفي أحمد، وهو من أبناء سيدي خالد، وسبقه في غنائها عبد الحميد عبابسة، ثم توالى مطربون آخرون على أدائها، مثل رابح درياسة ولزهر الجلالي.

‪قبر حيزية داخل مقبرة قبيلة الذواودة بسيدي خالد في مدينة بسكرة‬ (الجزيرة)
‪قبر حيزية داخل مقبرة قبيلة الذواودة بسيدي خالد في مدينة بسكرة‬ (الجزيرة)

حيزية عاشقة من رذاذ الواحات
واشتهرت قصة حيزية أكثر بعدما كتب عنها الشاعر الفلسطيني عز الدين المناصرة قصيدة "حيزية عاشقة من رذاذ الواحات" لتدخل في الشعر الحديث سنة 1986.

وظلت قصتها تلهم الأدباء والشعراء والكتاب إلى غاية اليوم، حيث أصدر الروائي الجزائري لزهر لبتاري قبل سنتين رواية بعنوان "حيزية أميرة حب الزيبان" يصور فيها رحلة قافلة القبيلة برفقة حيزية وسعيد في أواخر القرن الـ19، واصفا شعرية ورقة علاقة الحبيبين.

وقبل ذلك كانت الروائية الفرانكوفونية مايسة باي قد أصدرت في سنة 2015 رواية بعنوان "حيزية" التي أسقطت قصتها التراجيدية على يوميات فتاة جزائرية تعيش في العصر الحالي وتحمل الاسم نفسه.

روايات جديدة عن عاشق حيزية
في ديسمبر/كانون الأول 2019 أعلن الروائي الجزائري المعروف واسيني الأعرج أنه ظل لسنوات طويلة يبحث بأحداث ووقائع قصة حيزية، ليقدم تفاصيل مخالفة للرواية المتداولة والرائجة بين الجزائريين.

ونشر واسيني في صفحته على فيسبوك أنه وبعد زيارته لمسقط رأس حيزية في سيدي خالد توصل إلى قناعة مطلقة بأن العاشق سعيد غير موجود وإنما كان مجرد قناع للشاعر ابن قيطون باعتباره العاشق الحقيقي، ويبرر ذلك بعثوره على قبور العائلة عند زيارته للمقبرة التي وضعت عليها الشواهد حديثا إلا قبر سعيد.

ويذهب الأعرج لأبعد من ذلك بقوله إن حيزية لم تمت مرضا، وإنما قتلت على يد والدتها بعدما اكتشفت أنها حامل من عشيقها الشاعر ابن قيطون.

ومن متابعتها للقصة، تقول لمياء قاسمي -وهي إعلامية جزائرية متخصصة في السياحة- للجزيرة نت إنها تتفق مع طرح واسيني الأعرج، لأن الوصف الوارد في القصيدة دقيق جدا ولوعة الحزن بادية فيها، ولا يحس بها إلا العاشق، وبالتالي فإن كاتب القصيدة ابن قيطون العاشق الحقيقي لحيزية.

وفي الوقت الذي تتفق فيه لمياء قاسمي مع الطرح الجديد الذي قدمه واسيني الأعرج، يقول عبد العالي مزغيش للجزيرة نت إن بعض دارسي قصيدة الشاعر ابن قيطون يؤكدون أن مطلعها لم يكتبه ابن قيطون بل هو مقطع كتبه سعيد المفجوع بموت حبيبته محاولا تخليد روحها.

لكن لأنه لم يكن يملك ناصية الشعر فإنه لم يوفق بكتابة هذا المقطع الذي لا يتوافق مع باقي النص البديع، ولكنه كان محظوظا حين التقى بالشاعر ابن قيطون وأقنعه بأن يتم القصيدة ففعل، بحسبه.

‪الكاتب واسيني الأعرج في مقبرة قبيلة حيزبة حيث رأى وجها آخر لحكاية حيزية‬ (الجزيرة)
‪الكاتب واسيني الأعرج في مقبرة قبيلة حيزبة حيث رأى وجها آخر لحكاية حيزية‬ (الجزيرة)

بين الخيال والحقيقة
ويرى عبد العالي مزغيش أن ما يتحدث عنه الروائي واسيني الأعرج محاولة منه لتخيل بعض الأحداث، باعتبار أن الخيال عنصر مهم في السرد الروائي، غير أنه مغامرة خطيرة في حال كان الكاتب بخياله يطمس الحقيقة المجردة المتداولة بين الناس.

ويضيف مزغيش أنه "لا يمكن أن ننفي جهود الكاتب واسيني في كتابته للتاريخ روائيا، غير أن الأمر يتطلب منه مراعاة الحقيقة من منبعها، وهذا لا يتأتى بوقفة عابرة وزيارة سياحية تقوده للمنطقة، وإذا عمل على تغيير الحقائق المتداولة إرضاء لسيناريو روايته وخيالاته فإنني بحكم معرفتي بالمنطقة المحافظة أنصح بعدم المغامرة لما فيها من إثارة حفيظة سكانها".

وبانتظار صدور رواية واسيني الأعرج عن حيزية، ورغم تضارب الروايات بشأن التفاصيل المرتبطة بعاشقها وطبيعية العلاقة التي جمعتهما وكيف توفيت، يبقى اسمها خالدا كصاحبة أعظم قصة حب في تاريخ الجزائر. 

المصدر : الجزيرة