ورثت "العناد" من أبيها.. أول وزيرة كويتية تروي تجربتها السياسية

حاورها: محمود الكفراوي-الكويت

خلق حرص والدها الراحل على سماع الأخبار ومتابعة الصحف شغفا لديها منذ الصغر، دفعها عقب إنهاء دراستها في المرحلة الثانوية أواخر ستينيات القرن الماضي لدراسة العلوم السياسية في السنة الأولى من افتتاح هذا التخصص بجامعة الكويت.

تروي الدكتورة معصومة المبارك -وهي أول وزيرة في تاريخ الكويت- للجزيرة نت، جانبا من مشوارها السياسي، مشيرة إلى أنها لم تجد أمام رفض شقيقها دراستها للعلوم السياسية إلا أن تخيّره بين دراستها للتخصص أو المكوث في المنزل، قبل أن تتخرج عام 1971 بتقدير امتياز وتكمل بعدها رحلتها للدراسات العليا في الولايات المتحدة.

تؤكد معصومة المبارك، وهي واحدة من أربع نساء كن أول نائبات في تاريخ الحياة السياسية الكويتية عام 2009، أن المرأة عانت ولا تزال من وجود تمييز ضدها في جميع دول العالم، وليس في عالمنا العربي فحسب أو الكويت بمفردها، وإن اختلفت درجة التمييز، وهي تشير إلى أن رفض توليها الحقيبة الوزارية انطلق من بعض أبناء الطائفة وامتد ليشمل نواب الإخوان والسلفية.

بداية نود أن نعود بالذاكرة إلى اختيارك أول وزيرة في تاريخ الكويت، كيف جاء ذلك؟

عملت لسنوات أستاذة للعلاقات الدولية في جامعة الكويت، وكتبت في عدد كبير من صحف الخليج ولي مساهمات عدة، وكتاباتي صريحة فيها رؤية تحليلية لا مجاملة فيها، وربما كان ذلك إلى جانب اهتمامي بالشأن العام سببا في اختياري من قبل القيادة السياسية كأول امرأة تتولى حقيبة وزارية، عقب إقرار الحقوق السياسية للمرأة في مايو/أيار 2005.

كيف كان وقع إقرار الحقوق السياسية للمرأة وقتها؟

تفاءلنا خيرا بإقرار الحقوق وأن القادم سيكون أجمل عقب حصول المرأة الكويتية على حقوقها السياسية ترشيحا وانتخابا، وقد أعلن رئيس الوزراء وقتها أمير الكويت الحالي الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح أنه سيعين أول امرأة وزيرة، وقتها كان الجميع مشغولين بمن ستكون صاحبة الحظ، أما أنا فكنت فرحة بقرب تحقق الحلم بغض النظر عن هوية من سيتم اختيارها.

‪معصومة المبارك تنظر لصورتها أثناء أداء اليمين أمام أمير الكويت إبان توليها حقيبة الصحة عام 2007‬ (الجزيرة)

في 12 يونيو/حزيران من العام نفسه، وقع الاختيار عليك كأول امرأة تتولى حقيبة وزارية، كيف كانت الأجواء؟

حين تم استدعيت يومها إلى مقر رئاسة الوزراء وحتى وصولي لم أكن أعلم السبب، وحين أخبرني رئيس الوزراء باختياري كان الخبر مفرحا بشكل كبير، لكن الأمر لم يمر بسهولة، إذ أثار البعض زوبعة بسبب هذا الاختيار، والغريب أن هؤلاء البعض كانوا من الطائفة الشيعية التي أنتمي إليها، إذ شعروا أن اختيار امرأة من الطائفة نوع من الغبن للرجال، رغم أن تمثيلي في مجلس الوزراء لم يكن للطائفة وإنما للمرأة وكفاءتها وقدرتها.

وكان اختياري شرفا لي وتقديرا للمرأة الكويتية عموما ولجهودي طوال سنوات عملي العام، وعموما لم يكن رفض بعض أبناء الطائفة مفاجئا بقدر ما كان محزنا، ومرجع ذلك أنه لو لم يكن هناك تمييز ضد المرأة لعدلت القوانين في الكويت مع بداية الحياة البرلمانية في 1963.

وهل أحزنك هذا الموقف؟

نعم حزنت رغم أني لم آت على صهوة جواد الطائفية، لأنني اعتقدت أنه إذا كانت هناك طائفة تدعم شخصا هنا أو آخر هناك لكان عليها أن تفرح بأن إحدى بناتها اختيرت لهذا المنصب الرفيع، أقول ذلك رغم أني معروف عني البعد التام عن فكرة الطائفة والطائفية وإيماني بالوطن والمواطنة.

هل كان الاعتراض من قبل بعض أبناء الطائفة فقط؟

الأمر لم يقف عند هذا الحد وإنما امتد ليشمل شريحة كبيرة من نواب المجلس، ممن سبق أن عارضوا منح المرأة حقوقها السياسية. هؤلاء استهجنوا تعيين امرأة وبدؤوا البحث عما يقوض الاختيار، وبدأت التحركات أثناء أداء القسم في مجلس الأمة، إذ بدؤوا "بالطرق" على الطاولات ومحاولة التأثير علي أثناء أداء القسم الدستوري.

كانت هناك زوبعة عارمة لم ينقذني منها إلا حنكة رئيس الوزراء في ذلك الوقت سمو الشيخ صباح الأحمد، وكذلك خبرة رئيس مجلس الأمة الراحل جاسم الخرافي.

وإجمالا لم يكن الطريق سهلا بل كان وعرا من قبل بعض النواب الذين لم يدخروا جهدا في إثارة الأمور، لكنني استطعت أن أكسب احترامهم يوما بعد يوم حتى أنني شاركت في أربع حكومات متتالية.

وهل يعد ما تعرضت له مؤشرا على طريق المرأة السياسي بشكل عام؟

طريق المرأة في مجتمعاتنا ليس سهلا، هناك عدم قناعة بقدرتها وقوتها السياسية، وهناك محاولات دائمة لزعزعة ثقتها بنفسها وهو أمر لا يزال قائما، فالمرأة تحارب حتى الآن وهي مسألة ثقافية يخفف منها التجارب الناجحة للمرأة عموما.

في جميع دول العالم هناك تمييز ضد المرأة ولكن بدرجات متفاوتة، وأذكر أني حين شاركت أثناء عضويتي في مجلس الأمة الكويتي عام 2010 في الاجتماع السنوي للاتحاد البرلماني الدولي، كانت الجلسة لمناقشة ما إذا كان الطريق لعضوية المجالس النيابية مفتوحا أمام المرأة أم لا، وهناك فوجئت بشكوى كل النائبات حول العالم وتأكيدهن أن مجتمعاتهن فيها تمييز ضد المرأة.

فنسبة النساء في البرلمانات متدنية مقارنة بالرجل وهو ما يعني أن البرلمانات غير مفتوحة أمام المرأة، وأن المجتمعات المختلفة فيها تمييز تجاه المرأة، وأن القوانين كذلك فيها تمييز، وهي مسألة عالمية وليست خصوصية عربية، فالمرأة الأميركية كانت تناقش قبل عدة أيام مسألة إقرار الراتب المساوي للوظيفة مقارنة مع الرجل.

في 25 أغسطس/آب 2007 انتهت تجربتك الوزارية، هل كانت استقالة أم إقالة؟

أؤكد لك أنها استقالة وليست إقالة كما أشيع وقتها، بل إن رئيس الوزراء وقتها الشيخ ناصر المحمد كرر محاولات إثنائي عن الاستقالة أكثر من مرة، فقد قدمت استقالتي ليلا لرئيس الوزراء وطلب مني التراجع، وعدت في الصباح أثناء جلسة المجلس وقدمتها فعاد يطلب مني التراجع، لكني أخبرته أن طبعي عنيد وأني إذا اتخذت قرارا لا أتراجع عنه.

قالت بعض الصحف إنها إقالة لكن لا يهمني ذلك، فقد كتبتها بهدوء وجعلتها مسببة، وذهبت لرئيس الوزراء وكان يستقبل أحد الوزراء في المطار بعد عودته من رحلة علاج، وقلت له إن ضميري السياسي يحتم تقديم استقالتي، وقد حاول إثنائي عدة مرات كما ذكرت وهو أمر تكرر في أول اجتماع حضرته لمجلس الوزراء في اليوم التالي، والعجيب أني فوجئت عقب قبول الاستقالة بتقديم استجواب لي في مجلس الأمة.

‪وزارة الصحة الكويتية التي تولت الدكتورة معصومة حقيبتها عام 2007 واستقالت بعد ثلاثة أشهر فقط‬ (الجزيرة)

وماذا عن أجواء الاستقالة نفسها؟

من يوم اختياري وزيرة كان هناك من يتحين الفرصة وكنت مستهدفة، وفي الحكومة الرابعة التي توليت فيها وزارة الصحة كانت الأصوات تطالب باستجوابي قبل أداء القسم ودخول مبنى الوزارة، وبعد شهرين أعلن بعض النواب أنهم يجهزون استجوابي، وفي تلك الأثناء طلبت من طاقم الوزارة أن يستشفوا من أحاديث النواب محاور الاستجواب، وكنت أعلم أن موضوع العلاج في الخارج منها وعملت على إيجاد الحلول.

كان حريق أحد المستشفيات سببا في الوصول لهذا القرار، ماذا حدث وقتها؟

كنت قد خرجت في إجازة خاصة إلى بيروت لعدة أيام، وأثناء وجودي بالمطار في طريق العودة للكويت، علمت بوجود حريق في مستشفى الجهراء (شمالي الكويت)، وعندها اتصلت بوكيل وزارة الصحة وأخبرني أنه في الطريق إلى المستشفى، وحين وصلت إلى البلاد توجهت من المطار إلى المستشفى مباشرة، وتحققت من عدم وجود وفيات وأن حجم الحريق محدود وأن المرضى في الجناح العلوي نقلوا إلى مستشفيات أخرى خوفا على حياتهم.

لكنني  شعرت أثناء الجولة بتحركات بعض النواب لتضخيم الأمر، إذ شاهدت صورا لهم وهم ملثمون أثناء وجودهم وقت الحريق، رغم أن تقديرات إصلاح الخسائر لم تتجاوز ألفي دينار (ستة آلاف دولار).

في اليوم التالي -وكان يوم جمعة- وبعد جولة اطمأننت خلالها على المرضى في عدد من المستشفيات، استقر في وجداني أن الحريق -وإن لم يخلف أضرارا كبيرة- فإنه لا ينبغي أن يحدث في مؤسسة صحية بهذه الضخامة، وأن الاستقالة هي خير موقف أتخذه.

ألم تكن هناك وفيات نتيجة الحريق، خاصة أن وسائل إعلام تناقلت خبر وجود حالتين؟

حالتا الوفاة لم تكن لهما علاقة بالحريق، بل إنهما سبقتا الحريق وإن كانتا في نفس اليوم.

ألست نادمة على الاستقالة؟

أبدا، وربي الأعلى، وللعلم فقد أمضيت في حقيبة وزارة الصحة ثلاثة أشهر فقط.

‪معصومة المبارك: مضى 12 عاما على تقديم استقالتي، وعرض علي المنصب مرتين عقب وصولي للبرلمان، واعتذرت‬ (الجزيرة)

لو عرض عليك المنصب هل تقبلين تكرار التجربة؟

مضى 12 عاما على تقديم استقالتي في عام 2007 وقد أصبحت الأوضاع في الوزارات أكثر سوءا، وعرض علي المنصب مرتين عقب وصولي لعضوية البرلمان، واعتذرت، وأنا ما زلت على هذا الرفض كوني غير مستعدة، لأن عمر الوزير في المنصب لدينا قصير ولا يعطيه فرصة للإصلاح أو تنفيذ رؤيته -حال كان مصلحا- عكس دول الجوار الأخرى، وما زلت غير راغبة في الحقيبة الوزارية.

في انتخابات عام 2009، كنت ضمن أربع سيدات يدخلن المجلس للمرة الأولى، حدثينا عن ذلك؟
 
بالفعل كنت أعلى المرشحين حصولا على الأصوات في الدائرة الأولى بأكثر من 14 ألف صوت في أول تجربة انتخابية، وهذا رقم ضخم للغاية في الدائرة الأولى، وأنا أشكر كل من صوت لي وقتها من قلبي.

هل شعرت أن أبناء الطائفة الشيعية صالحوك من خلال التصويت لك في تلك الانتخابات؟

بالطبع لا، أولا لأن من عارضوني وقت اختياري وزيرة أصبحوا لاحقا من الأصدقاء، وثانيا لأني لم أعاتب أحدا ولم أطلب مصالحة لأن الموقف من المرأة مرجعه كان الثقافة المجتمعية.

وماذا عن تجربة المرأة البرلمانية في ذلك المجلس؟

عملت مع أخواتي النائبات لإثبات قدرتنا خلال فترة عضويتنا، وأعتقد أننا قمنا بدور مميز ومارسنا دورنا بشكل جيد، لكن المفاجأة أن الانتخابات التالية لم تشهد نجاح أي نائبة بسبب تأثير الحملة الشرسة لتشويه المرأة التي قادها نواب التيار الإسلامي من السلفيين والإخوان خلال فترة العضوية، للتأكيد على فشل المرأة، رغم أن النائبات الأربع كنّ أستاذات في الجامعة ومشهود لهن بالكفاءة.

ويكفي أن أحد نواب التيار الإسلامي سئل عقب شهر واحد من عضويتنا عن رأيه في أداء المرأة بالبرلمان، فقال: "لقد فشلن فشلا ذريعا".

ولماذا حاربك نواب السلفية والإخوان؟

لكونهم ضد خوض المرأة للانتخابات ويرون أن المرأة يجب ألا تكون في موقع العضوية.

ومن بين أسباب فشل المرأة كذلك أنها تخوض الانتخابات بشكل مستقل وليست ضمن تيار سياسي يدعمها، وهذا ينطبق كذلك على بعض المنتميات للتيار الإسلامي، وفي بلد لا توجد فيه أحزاب وفيه تيارات، يصبح وضع المرشح المستقل شديد الصعوبة.

وهل أنت مع وجود أحزاب في الكويت؟

من موقعي أستاذة للعلوم السياسية، أرى أن الديمقراطية نظريا لا تكتمل إلا بوجود الأحزاب، وعمليا فإن تجربة الأحزاب في مجتمعات لا تؤمن بالديمقراطية هي تجربة فاشلة، وعلينا أن ننظر إلى العراق وما فيه من تناحر حزبي أدى إلى تدمير البلد، وفي لبنان نجد أن تدمير لبنان بسبب تناحر الأحزاب، وبالتالي فإن الدول التي لا تؤمن بالديمقراطية كأفراد وشعوب وسلوك لا تصلح لها الأحزاب، والكويت كذلك.

لأننا وإن آمنا بالصندوق فإن سلوكنا في البيت والعمل وغيرهما دكتاتوري، وتعدد الأحزاب يحتاج إلى أرضية بعيدة عن اللون الديني، أما إذا قسمنا الكويت إلى حزب للإخوان وحزب للشيعة وثالث للسلفية ضاعت البلد، لأن هذا التقسيم فاشل، ونحن هنا غير قادرين على التخلي عن الانتماء للتيارات الدينية، إذن فلنبق بعيدا عن الأحزاب رغم أن هذا الوضع يسهم في اختيارات نيابية غير سليمة.

دعني أضرب لك مثالا، في آخر انتخابات شاركت بها وأثناء مروري في اللجان، استقبلتني سيدة منقبة بسيل من المديح، وعندما قلت لها: هذا يعني أني ضمنت صوتك، كان ردها أن صوتها لا يمكن أن يكون لغير مرشح القبيلة. هذا الوضع يعني أننا بحاجة إلى مزيد من الوعي، مصيبتنا ليست في غياب الأحزاب وإنما في غياب وعي الناخب بشأن دوره.

هل يمكن أن تكرري الترشح؟

في الانتخابات التالية، أي في فبراير/شباط 2012، خضت الانتخابات ولكن لم تنجح أي مرشحة بسبب الحملة على المرأة كما قلت، وفي انتخابات ديسمبر/كانون الأول 2012 فزت ولكن حُل المجلس، وفي انتخابات 2013 فزت بالمركز العاشر الذي يضمن لي العضوية في الدائرة الأولى وأصبحت نائبة، إلا أني خسرت الطعن الذي قدمه مرشح آخر وفقدت العضوية.

وفي الوقت الحالي، ظروفي الأسرية صعبة، وقد عدت إلى التدريس في الجامعة وأشعر براحة، لذا لا أفكر في الترشح حاليا.

بمن تأثرت في مشوارك السياسي؟

تأثرت بالراحل والدي، وأرى أني ورثت عنه "العناد"، فضلا عن أنه أول من جذبني لقراءة الصحف وسماع نشرات الأخبار، وهو ما أكسبني فهما لما يدور حولي منذ الصغر، كما ورثت الحنان من والدتي الراحلة. 

أخيرا، كيف تقيمين التجربة الديمقراطية في الكويت؟

نحن لدينا نموذج ديمقراطي في الكويت طبقناه منذ 1922 في المجلس الأول، وتكرر في مجلس 1938 ومن بعدها المجلس التأسيسي 1963، ونحن نفخر بذلك، لكن هذه التجارب لم تقنعنا كمواطنين بالسلوك الديمقراطي، فسلوكنا كأفراد غير ديمقراطي.

نحن نضيق بالرأي الآخر. لدينا دستور من أفضل الدساتير صياغة وروحا لكن اختيار الناخب في العالم العربي بأجمعه حتى الآن غير ديمقراطي.

يفترض أن تصلح الديمقراطية حال المجتمع، لكن تجربتنا فشلت في ذلك، لنعود إلى ما قاله أمير الكويت الراحل عبد الله السالم الصباح في ديباجة الدستور، أن النظام الديمقراطي يحقق المزيد من الرفاه والمزيد من الحرية لأفراد المجتمع، والخلاصة أن النظام الديمقراطي لدينا جميل لكن الأرضية غير خصبة.

المصدر : الجزيرة

المزيد من مرأة
الأكثر قراءة