بالفيديو.. فنانة مغربية تحيي ذاكرة "دلالة الكتب" بالمدينة الحمراء

عبد الغني بلوط-مراكش

في مشهد استعراضي مدهش بسوق "دلالة الكتب" بمدينة مراكش المغربية، يبدأ طفل برفع صوته باسم عنوان كتاب قديم ونادر، لتبدأ عملية المزايدة عليه معلنا افتتاح عرضه للبيع، فيتسابق رواد السوق إلى الظفر بالكتاب.

تشتد المنافسة ويرتفع السعر مع مرور الوقت، إلى أن يصل إلى آخر مزايد فيرسو عليه الكتاب، ثم يقصده الدلال مهنئا إياه.

يتعالى تصفيق الحاضرين، في حين تهنئ الفنانة المسرحية حياة غافري الأطفال على أدائهم الجميل لمشهد قصير يحاكي فعلا ثقافيا امتازت به مدينة مراكش على مر العصور.

تقول حياة وهي تتابع تحية أطفال آخرين بحب ظاهر، للجزيرة نت "إحياء الذاكرة هو إحياء للإنسان واستمرار في نقل الأشياء الجميلة من جيل إلى جيل".

الفنانة حياة غافري (سمسمة)  أمام منزلها في حي الداوديات في مدينة مراكش (الجزيرة)

مبادرة فريدة
بعد عصر يوم معتدل من شهر سبتمبر/أيلول، تجمع الأطفال أمام بيت الفنانة حياة بحي الداوديات، التي يعرفها الجميع بلقبها الفني "سمسمة"، ليحاكوا سوقا مصغرة لبيع الكتب المستعملة.

كان مشهد "الدلالة" مدخلا جميلا لمبادرة فريدة قادتها حياة بمناسبة الدخول المدرسي، تهدف إلى غرس حب الكتاب في نفوس الأطفال ونشر قيم التضامن بينهم.

تحرص حياة على أن يأخذ كل طفل مكانه في "السوق" بنظام وبحضور بعض الأمهات والجيران، قبل أن ينخرط الجميع في جو التبادل المليء بالبهجة والسرور.

وتتلخص المبادرة كما تشرح هذه الفنانة المسرحية في أن يأتي كل طفل بمقرراته الدراسية للموسم المنصرم، ليستبدلها مع أطفال آخرين وبشكل مفتوح بمقررات السنة الجديدة، وقد يهدي إحداها إلى من هو في أمس الحاجة إليها.

توثق حياة مبادراتها لإحياء الموروث الثقافي على مواقع التواصل الاجتماعي وتحظى بتشجيع كبير من زملائها (الجزيرة)

توثيق حلم مبهج
وتوثق حياة مبادراتها لإحياء الموروث الثقافي على مواقع التواصل الاجتماعي، وتحظى بتشجيع كبير من زملائها في المسرح والثقافة والإعلام وعموم المتتبعين.

ويقول الباحث الأكاديمي عبد الصمد الكباص إن "دلالة الكتب" عبارة تضرب عميقا في ذاكرة مراكش وسكانها، وبعث الفكرة لا ينتصر فقط لذاكرة قريبة تقيم على بعد أكثر من خمسة عقود وأخرى ممتدة في الزمن، بل يتيح لنا، وهذا هو الأهم، أن ننظر إلى الأجيال القادمة كحلم مبهج.

أما تبادل الكتب المدرسية في الفضاءات العامة فهي عادة قديمة اختفت، تسعى حياة لإضفاء روح جديدة عليها، كما يؤكد الإعلامي حسن البوهي.

ويؤكد للجزيرة نت أن مثل هذه المبادرات تصل الماضي بالحاضر لاستشراف مستقبل جيل مشبع بروح الثقافة والإبداع. 

الفنانة حياة غافري تشرح للأطفال مبادرتها حول إحياء دلالة الكتب أمام منزلها بحي الداوديات (الجزيرة)

متعة التفاوض
يجد الأطفال متعة وهم يجوبون السوق ذهابا وإيابا باحثين عن مبتغاهم، في جو لا يخلو من تسامح وأيضا من تنافس وتفاوض للحصول على عرض جيد مقابل ما يملكون من مقررات.

هي المتعة نفسها التي كان يجدها كل طفل أو مراهق يزور سوق الدلالة قرب جامع ابن يوسف نواة روح المدينة ونقطة تجمعها في التاريخ، كما يتذكر الكباص.

ويحكي الكباص عائدا بذاكرته إلى طفولته "كان مرورنا بعد صلاة العصر من محفل المزايدة على المخطوطات والكتب في حماس يتشارك فيه العارضون والمشترون وحتى الفضوليون من أمثالنا الذين لم يكونوا يملكون ما يكفي من المال لاقتناء المعروضات من ذخائر الأمم، لكنهم كانوا أغنياء بشغفهم الأصيل بالكتاب وعوالمه".

تتابع الأمهات والجيران هذه المبادرة باهتمام بالغ (الجزيرة)

تضامن مع الكتاب
في وقت لاحق من تلك الأمسية التي تستمر على إيقاع بعض من شغب طفولي، توزع حياة محافظ دراسية على تلاميذ تبرع بها مواطنون دعما لمبادرتها.

وتشعر حياة بسعادة غامرة، وهي ترى الأطفال منخرطين في عمل تضامني متعلقين بالكتاب، لا يضاهي ذلك غير سعادتها وهي تقف على خشبة المسرح تتابع تصفيقات الجمهور كموسيقى رائعة، على حد تعبيرها.

وبروح مرحة تستحضر حياة المثل الشعبي القائل "الجديد ليه جدة وبالبالي لا تفرط فيه"، مشددة على تثمين الأشياء القديمة بدل رميها، "لأن ما قد لا يصلح لنا يصلح لغيرنا" على حد قولها.

وتقيم حياة علاقة متينة مع جيرانها، وتقول جارتها السيدة رشيدة إدار إن الثقافة المراكشية تحمل أشياء جميلة جدا، تربى عليها جيل كامل وتظهر في مثل هذه الأعمال المبدعة.

بينما يبرز البوهي أن صدق المبادرة وعمقها التربوي جعل الكثيرين منخرطين فيها، بل يقترحون مبادرات أخرى مرتبطة بمناسبات اجتماعية ودينية تعضد علاقة الناس بالثقافة الشعبية.

المصدر : الجزيرة