رائحة غامضة وساحرة.. استعادة عطر كليوباترا الأسطوري

الحكايات عن الملكة كليوباترا لم تقتصر على جمالها وذكائها، ولكنها شملت أيضا رائحتها (مواقع التواصل)
الحكايات عن الملكة كليوباترا لم تقتصر على جمالها وذكائها، ولكنها شملت أيضا رائحتها (مواقع التواصل)
حفصة علمي

كغيرها من الملكات التي كان لهن تأثير في التاريخ، كثرت الحكايات عن حاكمة مصر القديمة الملكة كليوباترا وعن جمالها وذكائها ورائحتها أيضا.

واكتشف العالم كليوباترا من خلال اللوحات والمنحوتات، غير أن مجموعة من الباحثين يعتقدون أنهم نجحوا في إعادة تركيب عطرها بعد سنوات من البحث والدراسة.

ونسجت الأساطير حول أدوات تجميل الملكة المصرية، وقيل إن عطرها كان أسطوريا لدرجة أن القائد الروماني مارك أنتوني كان يشم رائحتها من بعد أميال قبل أن تصل سفنها إلى شواطئ مملكته.

مصنع العطور القديم
بدأت رحلة الاستكشاف من مشروع تل طماي للتنقيب في مدينة ثمويس المصرية التي تأسست حوالي 4500 قبل الميلاد، وترأس البحث المتخصصان في عطور العالم القديم روبرت لتمان وجاي سيلفرشتاين من جامعة هاواي في مانوا، التي صرّحت أن المتخصصين تمكنا من إعادة إنتاج عطر ربما كانت تتزين به الملكة كليوباترا السابعة.

وكانت هذه المدينة مركز اثنين من أشهر العطور في العالم القديم، هما: المندزيان والميتوبيان، في الفترة بين القرن الخامس قبل الميلاد وحتى العصر الروماني.

ونشر موقع أطلس أبسيكيورا أن لتمان وسيلفرشتاين كانا يبحثان عن عطور العالم القديم لسنوات، مع التركيز بشكل خاص على عطر المندزيان الذي كان يعتبر من أفضل وأغلى العطور في منطقة البحر المتوسط.

ويقول سيلفرشتاين لبي بي سي إنه بالرغم من أن كليوباترا لم تكن تعيش في ثمويس (تل طماي) أو منديز (منديد حاليا)، فإنها ربما استخدمت عطورا من تلك المنطقة لأنها كانت مهتمة كثيرا بالروائح العطرة.

ووجد الباحثون قوارير تسمى أمفورا (جرة قديمة يونانية ذات مقبضين وعنق ضيق) تحتوي على بقايا مكونات عطور ورواسب جافة يزيد عمرها على ألفي عام، استخدمت في صناعة العطور في ثمويس، ويعتقدون أنها تشمل عطر كليوباترا الأسطوري.

كما تم الكشف عن أفران ضخمة تعود إلى القرن الثالث قبل الميلاد يرجح أنها كانت ملك صانع وتاجر للعطور، فضلا عن الطين والزجاج المستورد لإنتاج قوارير العطور خلال الفترة ما قبل الرومانية وفترة الاحتلال الروماني كذلك.

إعادة إنتاج عطر كليوباترا
أوضح الباحثان في دراسة العطور الفرعونية بجامعة هاواي دورا وزميلها كوفلين، أنه تم إجراء تحليل كيميائي للمخلفات التي تحافظ على رائحة بقايا السوائل في "الأمفورات" للكشف عن مكوناتها الرئيسية، وذلك إلى جانب الاعتماد على الوصفات الموجودة في النصوص اليونانية القديمة والنباتات والأساليب المستخدمة لإعادة تدوين صيغة عطور تلك الفترة.

ونجح الفريق البحثي في تطوير صيغ العطور القديمة التي استخدمت فيها مادة صمغية مستخرجة من شجرة المر (شجرة شائكة موطنها القرن الأفريقي وشبه الجزيرة العربية) إلى جانب مكونات أخرى مثل الزيتون والقرفة والهيل.

وكانت النتيجة أن قوام التركيبة لم يكن على شكل رذاذ وإنما أكثر كثافة يشبه المرهم أو الدهون، ويمنح العطر رائحة مسك متـبّـل يدوم لفترة أطول من معظم العطور التي نستخدمها اليوم.

ووصف ليتمان الرائحة قائلا: "إنها بمثابة عطر شانيل رقم 5 في مصر القديمة.. كم هو مثير أن أشم رائحة عطر لم يشمها أحد منذ ألفي عام، بل ربما كانت كليوباترا تتعطر بها".

بحث مستمر عن التاريخ والعطور
أعاد الباحثون -بالنظر إلى عمر البقايا وموقعها- تكوين روائح مصر القديمة، إلا أن السؤال الذي يُطرح هو ما إذا كانوا قد توصلوا بالفعل إلى استعادة عطر الملكة كليوباترا، حيث كان من المنطقي أن يستخدم الملوك روائح تحمل توقيعا خاصا بهم لا يستطيع عامة الناس الحصول عليها.

ويقول مصمم العطور ماندي آفتيل الذي شارك في إعادة إنتاج عطر مستخدم في مومياء مراهقة: "يُعتقد أن لكليوباترا منشأة خاصة بها لصنع العطور".

وتقول الأسطورة إن كليوباترا كانت تصب الكثير من عطرها على أشرعة قواربها حتى يتمكن مارك أنتوني من شمها وهي آتية من بعيد قبل وصولها إلى شواطئ طرسوس، حتى أن شكسبير وصف أشرعة كليوباترا المعطرة الشهيرة قائلا "معطرة لدرجة أن الرياح أغرمت بها".

وجُمعت هذه الاكتشافات الجديدة غير العادية في الجامعة الجغرافية الوطنية في العاصمة الأميركية واشنطن، في معرض يحمل عنوان "ملكات مصر" يشمل كل الدراسات التي أجريت عن العطور المنتجة في منديز وقارورات عطر المندزيان الذي أعيد إنتاجه.

المصدر : الجزيرة