بالتوعية والتأديب.. خطة هندية نسائية لمواجهة عنف الرجال

حشد من النساء في برنامج الوعي الاجتماعي (الجزيرة)
حشد من النساء في برنامج الوعي الاجتماعي (الجزيرة)

شمشاد حسين-الهند

صوت أنين وبكاء يأتي من خلف جدران البيوت الفقيرة في القرى المهمشة، الجميع اعتاد سماع تلك الأصوات، ولم لا وقد سبقتها ضجة وصراخ، فلم يتدخل أحد لينقذ نساء البيت من بين يدي الأب الذي عاد ثملا في المساء. فاستخدام أساليب الضرب وسيلة لانتزاع كل ما كسبت نساء البيت من أموال خلال فترة غيابه، سيناريو متكرر تشهده الأسر الهندية سواء في المدن الكبيرة أو القرى الصغيرة، فالعنف من قبل الأزواج أمر عادي إثر تناول المسكرات.

بدأت الأوضاع تتغير في الآونة الأخيرة، حين استجمعت النساء قواهن وأعلن الحرب على المسكرات التي تعد أم المشاكل، والسبب الرئيسي للعنف المنزلي ضدهن.

المجموعة الخضراء
قبل سنوات، تحديدا في 2015، اجتمعت فرق من النساء لمكافحة الخمور والمخدرات والتصدي للعنف ضد الإناث، وذلك في قرية خوش ياري قرب مدينة واراناسي، التي ينوب عنها في البرلمان السيد ناريندرا مودي رئيس الوزراء الهندي.

وفي غضون عامين، توسعت تلك المجموعة لينتقل نشاطها إلى القرى المجاورة، ومن ثم إلى نطاق أوسع حيث مديرية "مرزافور".

ترتدي تلك النسوة اللباس الهندي التقليدي الأخضر، الذي يطلق عليه "ساري"، ولذلك يعرفن باسم "المجموعة الخضراء". وأهداف المجموعة واضحة، وهي مطالبة الرجال بالإقلاع عن تعاطي الخمور والمخدرات والعنف ضد نسائهم، وإذا لم تؤثر النصيحة فتستخدم المجموعة القوة البدنية لمنعهم من هذا السلوك.

كيف تأسست المجموعة؟
دويانشو طالب بجامعة واراناسي، كان يتجول على شاطئ نهر غانغا، إذ رأى امرأة مع طفلين تبحث عن الطعام في سلة المهملات، فوجدت شيئا فيها لتطعم طفليها، مشهد مؤلم دفعه لتأسيس فريق أطلق عليه "أمل" لنصرة ومساعدة الفقراء في القرى المهمشة، وخلال جولات الفريق، وُجد أن أحد أبرز أسباب المشكلات التي تعانيها الأسر هناك هو أن معظم رجال هذه القرية مدمنون على الخمر والمخدرات ولعب القمار.

نساء القرية يعملن في الحقول نهارا، ويلقين جزاء المعروف ضربا من قبل أزواجهن وذويهم في المساء، وحين حاول فريق الأمل الوصول إليهن لتوعيتهن، كان الخوف حاجزا بينهما، حيث اعتبرنهم غرباء لا يستحقون الثقة.

النساء في أحد مراكز التوظيف (الجزيرة)

بعد عدة محاولات تبددت مخاوفهن، لا سيما بعد أن تعلمت النساء القراءة والكتابة على أيدي فريق الأمل، بل وفُتحت لهن حسابات بنكية، كما أتيح لهن الالتحاق بوظائف تناسب قدراتهن.

بدأت حالة من الوعي تسري بين نساء القرية، تلاها مشروع آخر، وهو تدريبهن على الدفاع عن النفس، لمكافحة ظاهرة العنف ضد الإناث.

أصدقاء الشرطة
انطلقت المجموعات النسائية يواجهن مشاكل مجتمعهن بأنفسهن، من خلال حملات توعية ضد الخمور والمخدرات والعنف ضد النساء، وكذلك لعبت هذه المجموعات دورا مهما في تحجيم الجرائم ونشر الوعي السياسي بين النساء. ونظرا لدورها المتميز قررت الشرطة بولاية "اترابراديش" اعتبار هذه المجموعة "أصدقاء الشرطة"، وهو ما منح المجموعة اعتبارا مجتمعيا ومظلة قانونية.

اجتماع النساء للتوعية الاجتماعية (الجزيرة)

المجموعة الحمراء
برزت هذه المجموعة من النساء عام 2006 بمديرية "باندا" بولاية "اترابراديش" (إحدى المديريات الفقيرة بالهند). هذه المديرية تعد من أفقر المديريات في البلاد من الناحية الاقتصادية، حيث تتفشى بها تركيبة معقدة من المشكلات الاجتماعية، مثل: الأمية بين النساء والنظام الطبقي المعقد وعمالة الأطفال وزواج القصر والعنف العائلي وطلب المال من البنت عند الزواج وإدمان الخمور بين الرجال.

السيدة سمبت بال ديوي لم تلتحق بالمدرسة في بداية سنوات عمرها، ولكنها بسبب رغبتها في الدراسة تعلمت القراءة والكتابة من إخوانها الذين كانوا يذهبون إلى المدرسة، فلما رأى عمها رغبتها في العلم سجلها بالمدرسة، حيث درست إلى مستوى الصف الرابع ثم تزوجت في 12 من عمرها.

رأت سمبت بال شخصا يضرب زوجته بقسوة، فطلبت منه الرحمة، ولكنه نهرها بعبارات بذيئة. وفي اليوم التالي ذهبت إليه ومعها خمس نساء مسلحات بالعصي فأجبنه بنفس أسلوبه العنيف.

وانتشر الخبر بين النساء مثل حرائق الغابات، ومن ذلك الحين بدأت النساء المصابات بالعنف تجتمع حولها وتنضم إلى مجموعتها للتخلص من ذلك الجحيم، حتى أن المجموعة اختارت لنفسها اسم"غلابي غينغ" (المجموعة الحمراء)، واتخذت قرارا بأن يكون لباس المنضمات لها الساري أحمر اللون.

تحمل عضوات المجموعة الحمراء العصي للإصلاح الإجباري -حسب ما يرونه- كوسيلة لمعاقبة الرجال ممن يرتكبون العنف المنزلي ضد نسائهم.

عقاب للرجال ومشروعات للنساء
المجموعة التي اختارت الضرب وسيلة للرد على الرجال، اتخذت نهجا موازيا لحماية النساء من العنف الذكوري، من خلال توفير دورات تدريبية مهنية لتوفير المعاش لهن، وذلك من خلال تشغيل مئات السيدات في مشروعات الصناعات المنزلية والحرف اليدوية، ليصبح دخل السيدة نحو 150 روبية (2.5 دولار) يوميا.

المجموعتان الخضراء والحمراء ظلتا موضوع النقاش والبحوث خلال السنوات الماضية في الإعلام الهندي، حيث تركتا أثرا بالغا على نساء المجتمعات الفقيرة، ربما تواجه في كثير من الأحيان انتقادات عديدة في مجتمعات مغلقة، لكن في النهاية هناك ناتج من خلال تغيير الأوضاع، كما أن المجتمع بدأ باعتراف القوة النسائية التي لا يستهان بها.

المصدر : الجزيرة