متجر كافكا.. حلم أربع شابات يبصر النور في جنين

عاطف دغلس-جنين

يضج المكان بصوت فيروز وأغنياتها الهادئة عن الحب والوطن، فضلا عن مقتطفات من أغان ثورية وهي تداعب آذان الزبائن من القرّاء والصحفيين وغيرهم وتبعث فيهم الحماس بينما هم منشغلون يطالعون رواية أو يكتبون قصة صحفية أو يراجعون دروسهم.

لم يسبق لنا وربما لكثير غيرنا أن رأى جنين من علو، فالمدينة المنبسطة على أطراف سهل مرج ابن عامر (الأضخم فلسطينيا) شمال الضفة الغربية تأسر بجمالها كل من يزورها، لكن المدينة الهادئة تبدو أكثر جمالا إذا كانت الإطلالة عليها من "متجر كافكا".

وكافكا (نسبة للكاتب العالمي فرانز كافكا) ليس كأي مكان آخر بمدينة جنين أو خارجها، إنما هو واقع لحلم راود أربع فتيات وجدن فيه فرصتهن للعمل أمام ضيق الأوضاع الاقتصادية للفلسطينيين لا سيما الخريجين الذين يزداد عددهم وارتفاع نسبة البطالة بينهم التي بلغت 50% حتى نهاية 2018.

منال فزع إحدى الفتيات الأربع القائمات على المشروع الذي وجدت فيه فرصتها بعد سنوات التخرج والعمل المتقطع هنا وهناك (الجزيرة)

منال.. ميس.. فرح وشذا
منال وميس ومرح وشذا تعثرت بهن السبل بعد تخرجهن لكنهن لم ييأسن، حيث التقين وبعد زمن بكافكا، وحوّلن الفكرة بعد دراسات ومشاورات مستفيضة إلى "مشروع المستقبل" كما يسمينه.

وتميز كافكا بتناقضاته بين كونه مكانا لبيع الكتب وإعارتها، كما أنه متجر يهتدي به المار ليمكث وقتا يستريح فيه وهو يناظر بنايات المدينة الشاهقة وحواريها المتراصة، ولا يفوته احتساء فنجان قهوة أو كوب شاي.

كافكا فكرة نادرة بمدينة جنين وتحظى بإقبال ودعم كبيرين من شباب وشابات المدينة (الجزيرة)

رمزية المكان
بشكلها الخشبي المقوَّس، تضم مكتبة كافكا أكثر من مئتي كتاب تناثرت بين ثنايا رفوف نصبت فوق بعضها في الجانب الأيمن داخل كافكا بطريقة تجعلها في متناول اليد.

مع ساعات الظهيرة حيث وجودنا في كافكا، بدا التناسق في كل شيء حتى بتحرك رواده وسكونهم، فالهدوء سيد المكان ورمزيته.

تقول منال فزع، وهي إحدى الفتيات الأربع القائمات على المشروع، للجزيرة نت إنهن يضبطن "مؤشر صوت" الزبائن بتلقائية جميلة وبعفوية، وإن أحدا لا يتجاوز اللوائح العريضة للمقهى بما فيها طلبات الشاي والقهوة التي يتناولها الزبون بنفسه، "فالخدمة ذاتية" وفق لافتة صغيرة نصبت عند مدخل المتجر.

زاوية الأطفال حيث قصصهم ووسائلهم التعليمية أيضا (الجزيرة)

اختيارات مميزة ومختلفة
كل شيء وضع في المقهى بانتقاء وتشاور بين الفتيات الأربع وليس "عبثيا"، ابتداء من الديكور وانتهاء بطريقة العرض في المتجر والزوايا التي يحويها رغم ضيق المساحة، فالكراسي ملونة ومختلفة الشكل والحجم، والطاولات بين مستديرة ومربعة انتثرت تحت أسطحها الزجاجية زخرفات وقصاصات للكاتب فرانز كافكا، ورسائل الروائيين غسان كنفاني وغادة السمان.

عندما جلسنا كانت إحدى السيدات بزيها الفلسطيني تجلس وفوق ذراعيها طفلها الصغير، لكنها أخذت كتابا وبدأت تطالعه قبيل قدوم رفيقاتها لتناول فطورهن، ففي كافكا "هروب" من ضجيج المنزل وضغط العمل وصخب المدينة.

متجر كافكا تميز بديكوره الجميل وتفاصيله الدقيقة التي تعكس مسماه فعلا (الجزيرة)

جمال التفاصيل والمقتطفات
وهي تحدثنا تنشغل الشابة منال بتلبية طلبات الزبائن، فهناك من يريد استعارة بعض الكتب، وآخرون أعادوا ما استعاروه، وتقول "إنهم يشترطون ألا تزيد مدة الإعارة عن أسبوعين، ولا يمانعون من يأتي بكتابه ليقرأه عندهم، وهناك من يجد في كافكا فرصته للعمل كما يفعل بعض الصحفيين".

في المكان تناثرت مقتطفات من كلام يختلط بين الشعر والحكمة خطّ على أحد الجدران كما لو كان من فنون العمارة الأندلسية وبجانبه مجسم لجناحي نسر كانت فتيات يأخذن صورا لهن أمامه، أما قائمة الطلبات فاتخذت محلا لها من جدار طلي باللون الأسود، في صورة تتشابه ولوح "السبورة" بالصف المدرسي.

كل ذلك يضيف لكافكا ميزة عن غيره لا تجعل منه مطعما ولا مقهى في الوقت نفسه، وإن أفضل ما يمكن تسميته هو متجر ثقافي وفرصة للعمل لا مثيل له بمدينة جنين وقلّ ما يشبهه بمدن الضفة الغربية مثل رام الله.

في الطابع الرابع من مبنى "برج الساعة" وسط مدينة جنين اختير المكان، ولهذه الإطلالة حكايتها كما ترويها شذا حنايشة، إحدى رائدات المشروع، وتقول "من شرفة كافكا نرى جنين كما لم نرها من قبل".

مدينة جنين كما بدت من متجر كافكا كما لم يرها من قبل كثيرون من أهل المدينة هكذا (الجزيرة)

معنى آخر لكافكا
ولكافكا معنى آخر لدى شذا ورفيقاتها بعيدا عن كونه مشروعا تجاريا أو مكانا للعمل، فقد أقيم المبنى على أنقاض سينما جنين الوحيدة التي هدمت قبل سنوات بداعي الاستثمار.

وهو ما رفع رصيد كافكا ودوره الثقافي بعقده العديد من الندوات والنقاشات لبعض الكتب، فضلا عن سعيهن لاستضافة أعمال فنية أو حلقات ثقافية بشكل أوسع.

تحاول شذا ورفيقاتها أن يُعوِّضن ثمن الاستئجار الباهظ ببيع بعض الأطعمة والمشروبات الخفيفة، لكن تفكيرهن بإفادة الجميع كان واضحا بعد أن رفدن متجرهن بمنتجات من سيدات ممن يعلن أسرا فقيرة.

وكذلك عرض منتجات شبان وشابات أبدعوا في صناعة المشغولات اليدوية، ووجدوا في المتجر فرصتهم للعرض تحت مسمى "المشاريع الصغيرة"، وأضافت الفتيات زاوية تختص بالأطفال ووسائلهم التعليمية.

ربى خلوف طالبة طب أسنان أحد رواد كافكا باستمرار وتجده المكان المناسب للدراسة والرسم (الجزيرة)

دراسة ورسم وتسويق
في كافكا عثرت ربى خلوف -طالبة طب الأسنان في سنتها الثالثة- على ضالتها، فهو بالنسبة لها ليس كأي مكان يجعلها تزوره مرة أو مرتين كل يوم، وتمكث فيه لساعات تقضيها بين الدراسة وهوايتها بالرسم.

تقول خلوف للجزيرة نت بينما تواصل رسم لوحة جديدة لها: إن جنين كانت "تتعطش" لمثل كافكا، فالمكان تتنوع فيه صفات الجمال والهدوء والاعتزال بعيدا عن ضجيج المدينة، وإليه "يهرب" الجميع طلبة وموظفين، كبارا وصغارا، والمكان يوفر كل احتياجاتهم.

في عمق كافكا تفاصيل لا أحد يعلمها بعد، وربما لا تنوي الفتيات الأربع إظهارها، وأي جديد سيكون حصيلة تفكير جماعي ليظهر للعلن بكامل جماله، فعمره الفتي (خمسة أشهر) لم يجعل منه محل نظر الجميع، بل حكاية أخرى تضاف للأرشيف "جنين القسام".

المصدر : الجزيرة