أرامل في المغرب يعشن أجواء خاصة في عيد الأضحى

ربيعة الأرملة تقترب من كبش العيد والفرحة تكاد تقفز من عينيها (الجزيرة)
ربيعة الأرملة تقترب من كبش العيد والفرحة تكاد تقفز من عينيها (الجزيرة)

عبد الغني بلوط-مراكش

تقترب ربيعة من كبش العيد والفرحة تكاد تقفز من عينيها، فيما يمسح ابنها الصغير على ظهره مرة ويحاول أن يجره من قرنه جرا خفيفا مرة أخرى.

تدفع هذه الأرملة ثمن الخروف للبائع بعد مساومة قصيرة في جو صيفي حار، قبل أن تبحث عن "نقال" في باب السوق ينقله إلى منزلها بأحد الأحياء الفقيرة بمدينة مراكش.

وتقول ربيعة -وهي تحبس دموع الفرح للجزيرة نت- "لعيد الأضحى مكانة كبيرة في قلبي، وأنا اليوم سعيدة بحصولي على أضحية مثل الجميع، تسعد أولادي الأربعة، وتمنحني فرصة لإقامة هذه السنة النبوية العظيمة".

أرملة تدفع ثمن الخروف للبائع بعد مساومة قصيرة في باب السوق بمدينة مراكش (الجزيرة)

أجواء العيد
مع اقتراب العيد يعمل عدد من الجمعيات المدنية المغربية على اقتناء خراف العيد وتوزيعها على المحتاجين والفقراء، كما يقبل المغاربة على شراء الأضاحي، مهما كانت ظروفهم المادية، وتنتشر مظاهر التضامن بينهم.

لكن جمعية رفقاء الخير اختارت فكرة مبدعة، وأقامت سوقا نموذجيا خمسة أيام قبل العيد ضواحي المدينة، مخصصا فقط للأرامل والأيتام.

ويشرح رئيس الجمعية يوسف أنزيض -وهو يوزع أدوار مجموعته للجزيرة نت- أن ربيعة واحدة من بين أكثر من ثلاثين أرملة قصدت "السوق النموذجي للأرامل"، الذي يوفر أجواء العيد مثل أي سوق بالمدينة الحمراء، ويدخل الفرحة على قلوبهن وبالأخص على قلوب أطفالهن اليتامى.

مبادرة تمنح الأرملة وأطفالها فرصة اختيار أضحية العيد (الجزيرة)

مبادرة إنسانية
ويضيف أنزيض أن سوق "الكرامة" كما سماه بالمناسبة، يتيح أمرين، أولهما هو أن يعيش الأطفال فرحة العيد وكل طقوسه المعروفة بدءا من اصطحاب أمهاتهم إلى السوق واقتناء الخروف على "ذوقهم"، وثانيهما أن يتم الحفاظ على كرامة الأرملة وعدم إحراجها أمام أولادها وأمام الجيران.

ولتنظيم العملية، تقوم الجمعية بشراء الأضاحي المرقمة من وزارة الفلاحة (الزراعة) من مصادر موثوقة، ثم تؤدي ثمن الخراف مسبقا للأرامل، قبل أن يتم استدعاؤهن حسب جدولة زمنية منظمة، حيث تعطى الفرصة أولا لمن تعيل أبناء أكثر من أجل اختيار أضحية العيد.

وتعلق ربيعة، "من يعش لحظة أداء الثمن وهو يرقب الفرحة في عين ابنه، يشعر بقيمة هذه المبادرة".

أجواء خاصة في عيد الأضحى وفرها السوق النموذجي للأرامل (الجزيرة)

أضحية العيد
ومنذ وفاة زوجها قبل خمس سنوات في حادث سير، لم تستطع ربيعة توفير ثمن أضحية العيد، فقد أصبح الحال غير الحال، ورغم أن عملها منظفة (عاملة نظافة) بأحد المخابز القريبة من بيتها، يكفي لنفقتها اليومية، في حين يتطلب العيد مصاريف خاصة.

وتحكي هذه الأرملة أن يوم العيد الماضي مر عليها حزينا كئيبا، فلم يكن الأمر هينا على أولادها الذي تقل أعمارهم كلهم عن عشر سنوات.

وتضيف أنها حظيت بأضحية العيد هذه السنة، لكنها تعرف أن قريبتها لن تحظى بذلك، لذا فهي تستدعيها وأطفالها لقضاء صباح العيد.

وتتذكر بحسرة زوجها المتوفى -لكنها باقية على عهده- فهي تقوم بتقسيم أضحية العيد كما يفعل بقية أهل الدوار (المنطقة) وتضعه ثلثها رهن إشارة فقيه الدوار ليوزعه بمعرفته على طلبة العلم وعابري السبيل.

الأيتام فرحون بأجواء اختيار أضحية العيد (الجزيرة)

فرح السوق
حين تدخل ربيعة السوق وتتجول بنظراتها فيه، تجد "الكراب" الذي يسقي الناس الماء، و"ناقل البضائع" وبائعة الحريرة، وبائعة "البيض المسلوق والبطاطس" وتجار العلف والفحم. ويأخذ حارس الدراجات والسيارات مكانه باب السوق، فيما يتوزع الكسابة (مربو الماشية) على جنبات السوق وفي وسطه.

وي ذلك الصباح من شهر أغسطس/آب تشتد حرارة الجو مع تقدم النهار، فيما يتوالى وصول "الزبونات المفترضات"، ترتفع صيحات الباعة، وتختلط بصوت الخراف، بينما روائح علف الماشية ومخلفاتها تملأ المكان.

وتقول ربيعة "كان السوق لي ولأولادي مفاجأة كبيرة، شعرت بقشعريرة تملأ جسمي، وتعيدني إلى زمن مضى".

وتبرز ليلى أيت سلا عضو الجمعية و"بائعة الحريرة" في السوق أن التجربة وإن كانت في بدايتها، فإنها تتيح فرصة مشاركة فرحة العيد مع أناس حرمهم الزمن منها.

فيما يعتبر الشاب عثمان خاطر عضو الجمعية والذي يقوم بدور "كساب" أن هذه التجربة ملهمة بالنسبة إليه، وفيها اقترب أكثر من مهنة كان يجهل كثيرا عنها وهو ابن المدينة.

فكرة السوق النموذجي للأرامل لقيت استحسان المجتمع المدني (الجزيرة)

معونة وكرامة
وتواجه صور تقديم المعونة للفقراء والمحتاجين انتقادا واسعا في كل عام، لكن فكرة السوق النموذجي للأرامل التي تناقلها البعض عبر وسائل التواصل الاجتماعي لقيت استحسانا بين العاملين في المجال المدني.

بل إن الناشطة بمدينة الرباط نسرين اللوزي انتقلت إلى مدينة مراكش لترى بعينها هذه التجربة وتنقلها إلى مدينتها.

وتقول اللوزي -في حديث للجزيرة نت- إن أهم ما يميز "سوق الكرامة" هو أنه يقدم صدقة مستورة، يحفظ بها كرامة البعض، ويبعد عن البعض الآخر كل مظاهر التباهي.

وتخصص الحكومة المغربية دعما مباشرا للأرامل بحد أقصى 1100 درهم (نحو 115 دولارا) شهريا، لكن هذه المبادرة لا تعلم عنها ربيعة شيئا، مثلها مثل كثير من الأرامل لأن المبادرة الحكومية لا تزال في بدايتها.

تجربة ملهمة تقدم الفرحة والمعونة وتحفظ الكرامة (الجزيرة)
المصدر : الجزيرة