الجزائرية دنيا زاد.. رحّالة شغفها اللغات وتأشيرتها باقة ورد

بيع الورد أول عمل للرحالة دنيا زاد (الجزيرة)
بيع الورد أول عمل للرحالة دنيا زاد (الجزيرة)

سلمى حراز

"أحلامي لا تعرف حدودا، وكل بلاد العالم وطني وكل قلوب الناس جنسيتي فلتسقطوا عني جواز السفر" مقولة للثوري الراحل تشي غيفارا يبدو أن الجزائرية دنيا زاد برينيس حفظتها جيدا لتجعل من سنوات حياتها 25 فسيفساء مفعمة بالألوان رسمتها بريشة الشغف، فكانت مترجمة وعاملة في مطعم ومعلمة متطوعة ومرشدة سياحية وكاتبة ومنسقة ورود تطارد أحلامها في "الدنيا" وزادها حقيبة سفر.

رغم صغر سنها فإن حياتها مليئة بالمواقف والخبرات التي اكتسبتها من خلال رحلاتها ومخالطة البشر والثقافات المختلفة، وهذا ليس غريبا على من أدمن السفر مثل الشابة التي اقتطعت تذكرتها الأولى إلى خارج الديار وهي في عمر 18، لتدرس الإنجليزية والتركية على ضفاف البوسفور.

كانت رحلة تركيا أول وآخر رحلة مولتها عائلتها، وقبلها كانت تعيش أسفارها من اللغات الست التي أتقنتها قبل ولوج الجامعة، وهي الفرنسية والإنجليزية والإيطالية والإسبانية والتركية والأوردو، دون أن تخضع لدورات تدريبية أو دراسة في اللغات الأربع الأخيرة.

في إسطنبول.. الولادة
تقول دنيا زاد وهي تعود -في حديث مع الجزيرة نت- إلى بداية توهج شعلة شغفها بالسفر "منذ طفولتي كنت مولعة باللغات، وكانت لي قدرة كبيرة على تعلمها سماعا من مصدرها، خاصة عبر التعامل مع الرعايا الأجانب، وكانت استفادتي من منحة للدراسة في تركيا الخطوة الأولى في تذوق متعة السفر".

وهناك في إسطنبول خاضت صاحبة 18 عاما لأول مرة تجربة الاعتماد على نفسها، فعملت في مطعم ثم مترجمة للوفود الأجنبية، ولم يكن الأمر بتلك الصعوبة وهي التي عملت في تحضير العصائر بأحد مطاعم العاصمة الجزائر ومترجمة بالمعارض الدولية لسنوات وهي بعد مراهقة، وفي دروب المدينة التاريخية وقّعت كتابها الأول "همسة من إسطنبول". وسافرت في رحلة جامعية إلى جورجيا، ومنها انطلقت دنيا زاد في رحلتها التطوعية الأولى إلى أفغانستان.

تتوقف لتستجمع مشاهد البؤس التي خبرتها في بلد مزقته الحروب قبل أن تواصل بوحها قائلة "مشاهد النساء ضحايا الاعتداء والأطفال خارج أسوار المدرسة حركت بداخلي الرغبة في خوض العمل التطوعي، وليس هناك أكثر من يستحق الحياة أكثر من الأطفال".

ترتدي لباسا تقليديا أمازيغيا بكوريا الجنوبية (الجزيرة)

بائعة الورد
عادت إلى الجزائر لتحزم حقائبها من جديد حتى تتابع دراستها العليا في إسكتلندا ومنها إلى إندونيسيا، وهناك عملت مترجمة لشركة بترولية، لكن كل مرة ورغم عشق الترحال كان الحنين إلى خبز أمها يعيدها إلى الديار من جديد، ولو أنها فقد عملا كان يدر عليها الكثير في إندونيسيا، إذ كانت مترجمة في شركة بترولية، لتصبح مجددا في حالة بطالة بالجزائر.

تضحك كطفلة وهي تستذكر أيام بطالتها قبل أن تبدأ مهنة جديدة "عدت إلى الجزائر عاطلة عن العمل، وفي عز إفلاسي دعتني صديقة إلى حفل خطبتها، فقررت صنع هديتها بنفسي، فاتفقت مع صاحب محل ورود لأنسق الهدية في محله، ويبدو أن هديتي أعجبته فكان له الفضل في دعم مشروعي الصغير الذي تطور لاحقا وأصبح عملا مؤقتا إلى جانب الترجمة، وكان أبي يتولى العمل عني حين كنت أسافر".

في رحلة إلى راجستان بالهند (الجزيرة)

تجارب إنسانية
بعد سبع سنوات من أول شاي أحمر على ضفاف البوسفور، زارت دنيا زاد 46 دولة في كل القارات، خبرت الصمت واليوغا في معابد الهند، والغرق في زحام مانهاتن بنيويورك، والتجول تحت سماء لندن الغائمة، والاسترخاء في حدائق براغ وبين أشجار الكرز في كوريا الجنوبية، ربطت مئات الصداقات في كل بقعة من الدنيا، نزلت ضيفة على عائلات من كل الأعراق والمذاهب والأديان، وخبرت المغامرة بالقمم البركانية، إلا أن الطفلة التي تعيش داخلها لا تشعر بالزهو إلا في رحاب ابتسامة طفل، فهي ليست إلا "امرأةٌ تحبُّ الوَرد، وتلاعِب الأطْـفال، وترقصُ فرحا لقطع الشوكولاتَة، امرأةٌ لن تفقِـد طفولتَها أبدا" على رأي الشاعر الراحل نزار قباني.

تضيف للجزيرة نت "درست الإنجليزية لطلبة الماجستير في جامعة بولونيا، وللمعتكفات في المعابد البوذية في سريلانكا، ولكن لم يكن شعوري أبدا مثل تعليم العربية لأطفال المدارس القرآنية في المالديف، ولا الإنجليزية لبراعم نيبال والهند، ولا يساوي أبدا فرحة أطفال الصحراء الجزائرية بثوب أو حذاء جديد".

مع أطفال الصحراء في مهمة إنسانية (الجزيرة)

وتوثق دنيا زاد أسفارها وخبرتها بالسفر على مواقع التواصل، إذ لها الكثير من المتابعين خاصة الشباب الطامحين للسير على خطاها، وهذا ما قادها للتفكير بالاستفادة من تجربتها في ترتيب رحلات سياحية للفتيات ومرافقتهم كمرشدة سياحية، وهي تستعد قريبا لافتتاح مكتب للترجمة والأسفار.

ولأنها ملهمة للكثيرين، كانت رسالتها لبنات جيلها أن لا مجال للكسل في العشرين فـ "اعملن بجد حتى تحققن ذاتكن، لا أحد يحقق الأحلام لأحد".

المصدر : الجزيرة
كلمات مفتاحية: