نصف قرن من العروض المميزة.. دار الأزياء العراقية

عرض سابق للأزياء في الأهوار العراقية (مواقع التواصل)
عرض سابق للأزياء في الأهوار العراقية (مواقع التواصل)
وليد المصلح-بغداد
 
شاهدة على عهود مرت وانقضت، تعاقبت فيها الأقوام والحضارات وتباينت بها الجلابيب والهيئات، فاختزنت ذاكرتها من فلكلور الأمكنة والأزمنة ما تجسده اليوم بأبهى الأشكال والحلل، تلك هي الدار العراقية للأزياء.
 
أنشئت الدار عام 1970 كمنصة لعرض الأزياء العراقية القديمة كي تروي قصص الشعوب والأمم التي استوطنت وادي الرافدين عبر الحقب، إضافة الى عرض التصاميم المحلية والعالمية حينذاك. 
‎أزياء مختلفة لحضارات وادي الرافدين معروضة في الدار العراقية للأزياء (الجزيرة نت)
السلب والخراب الذي طالها عقب الغزو الأميركي للعراق عام 2003، لم ينل من تاريخها الطويل. فبعدما نفضت غبار الحرب وأعيد تأهيلها لتكون مقرا لزوار الثقافة العراقية برهة من الزمن، استعادت بعدها الدار بريقها مرة أخرى كأحد المعالم الثقافية البارزة في منطقة زيونة بالعاصمة بغداد.
 
ما زالت الدار تسعى لتقديم الأجود ومواكبة الحداثة رغم إمكاناتها المحدودة وما مرت به من ظروف قاسية.
 
وفي ظل فوضى الاستيراد العارمة للألبسة والإكسسوارات، يؤكّد مدير الدار عقيل المندلاوي أن ثمة علامة بارزه تؤشر على وجود مذاق ومزاج تصميمي خالص لإنتاج الأزياء والمشغولات اليدوية بنكهة عراقية. وأضاف للجزيرة نت أن تصاميم الدار العراقية المستوحاة من التراث، تعزز الدور الحضاري للمواطن العراقي.
‎مصممة أزياء في قسم التصميم (الجزيرة نت)
جذوة للإبداع
وبالدخول إلى أروقة الدار، نجد أن رحلة الأزياء تبدأ من قسم التصميم، حيث تنطلق جذوة الإبداع وتولد الأفكار من رموز التاريخ الضارب في القدم، من حضارات وشخصيات ومدن، وتُسقَط على نماذج صغيرة من الورق، حيث يمتزج الرسم مع الخط العربي والزخرفة، بأنامل إبداعية غاية في الجمال.
 
تعتبر مديرة قسم التصميم شروق الخزعلي دار الأزياء سفيرة لنقل التراث العراقي إلى العالم عبر الصور والنقوش التي تحملها، ولقسم التصميم البصمة الأبرز في ذلك.
 
ويستقبل قسم الإنتاج الذي يضم شعبتي التطريز والخياطة ويعد بمثابة العمود الفقري للدار، نماذج التصاميم الورقية، ويعمل على طباعتها في قوالب خاصة بمقاسات مختلفة، لتنقل بعد ذلك إلى قطع القماش من خلال الخياطة أو التطريز الآلي أو اليدوي. 
‎زي الشاعر أبو الأسود الدؤلي (الجزيرة نت)
مسؤولة شعبة التطريز باسمة فاضل التي التحقت بالعمل في ثمانينيات القرن الماضي، اعتبرت في حديثها للجزيرة نت أن الأزياء التي يتم إنتاجها عبارة عن قطع فنية فريدة تناوبت على إنجازها أيادي فنانين ومبدعين، وتلقى رواجا كبيرا في الداخل والخارج، لأنها تعكس حضارة أرض السواد، وإنّ أغلبها مصنوع باليد.
 
توكل مهمة عمل الإكسسوارات ومكملات الأزياء إلى قسم خاص يعتبر من أهم الأقسام الفنية، ويتخصص بأغطية الرأس والأحزمة والقلائد والتراجي (الأقراط) وغيرها من القطع التي تضفي جمالا ورونقا على الأزياء المعروضة.
 
تصف مديرة القسم هدى سلمان العاملين معها بالمبدعين الذين أمضوا ردحا من حياتهم تحت سقف الدار دون كلل أو ملل، لكنها تشكو من قلة الكوادر الفنية، وندرة بعض المواد الخاصة بالإكسسوار في السوق المحلية.
 
‎إكسسوارات تراثية في الدار العراقية للأزياء (الجزيرة نت)
قسم العروض
النتاجات النهائية للدار باتت تقدم بطرق أكثر ابتكارا وتشويقا، من خلال الأوبريت الذي يعتمد الصورة (الزي) والدراما (الحركات المسرحية) والشعر والموسيقى، فكبار الشعراء والفنانين رفدوها بقصائدهم الرائعة أمثال عبد الرزاق عبد الواحد، ومحمد علي الخفاجي، ونصير شمّه وغيرهم.
 
وبعد اكتمال اللمسات الأخيرة للأزياء تصبح جاهزة للعرض، حيث يُدَّرب عارضو وعارضات الأزياء في الدار على أدق التفاصيل، وفق برنامج خاص يتماهى مع نوع العرض وجمهوره ومكانه.
 
العارضة هدى فايق تتحدث عن تجربتها للجزيرة نت بالقول إن "التحدي الأكبر الذي كنت أخشاه هو مواجهة الجمهور على خشبة المسرح، لكنني اليوم فخورة بعملي لكوني أنقل إرث بلدي إلى باقي الشعوب والبلدان".
 
خبير الأزياء أحمد عباس يرى أن الدار تستمد مكانتها المتميزة من مزجها الماضي بروح العصر، ونقلها التاريخ بأدوات حديثة، فمنتوجاتها لا يمكن أن تُقلّد، وذلك ما ضاعف من جمهورها في الداخل والخارج.

علي سرحان أحد الرواد الذين يحرصون على زيارة البازار الخاص بالدار لاقتناء ما يروق له من أزياء وأعمال يدوية، يصف علاقته بالدار بأنها مشدودة على الدوام.
 
ورغم غلاء بعض المنتوجات فإن سارة علاء تشتري بين الحين والآخر بعض الأزياء التي تنتجها الدار، وتغمرها السعادة حين تبدي زميلاتها في الدراسة إعجابا كبيرا بما تتزين به وترتديه.

دار الأزياء العراقية جابت أكثر من 55 دولة، وما زالت إلى الآن ترنو إلى المزيد من العطاء عبر مشاريع مستقبلية تلوح في الأفق، كافتتاح متحف للأزياء العراقية، ومقهى ثقافي، ومكتبة للكتب تحتضن الرواد والمتابعين وتحتفي بهم.
المصدر : الجزيرة