"أم زمان" العراقية تتحدى.. من حلم مدرسة إلى بائعة متجولة

أم زمان تتحدى عثرات حياتها بالعمل (الجزيرة)
أم زمان تتحدى عثرات حياتها بالعمل (الجزيرة)

عماد الشمري-أربيل

تجري الرياح بما لا تشتهي السفن. تلاحقت الأزمات فاندثرت أحلام كريمة كريم في صباها بأن تكون معلمة؛ إذ بدأت أمنيتها تتحقق بعد اجتيازها المرحلة المتوسطة واضعة أولى خطواتها في معهد المعلمات للبنات في مدينة كركوك شمال العراق.

في المرحلة الثانية من معهد المعلمات وبسبب صعوبة الظروف المعيشية، انقلبت الأوضاع دون سابق إنذار رأسا على عقب، ليجبرها تردي الوضع المالي على ترك الدراسة والتوجه لمساعدة والدها في حقله الزراعي الصغير.

تقول كريمة للجزيرة نت "أعمل بيدي وقلبي معلق بالدراسة"، مضيفة "فعلت ذاك لأتمكن من إعانة والدي طوال سنوات تواجدي معهم في المنزل، حتى حان وقت زفافي من أحد معارفنا".

على عكس المأمول، لم تسر أمور كريمة نحو الاستقرار الذي تمنته بعد الزواج، فقد صفعتها الدنيا مرة أخرى بما لم يكن بالحسبان، حين أصيب زوجها بمرض عضال ألزمه الفراش ليستسلم مجبرا للعجز عن توفير لقمة العيش لأولادها الستة، فتعاود كريمة -التي أصبحت تكنى بـ"أم زمان" نسبة إلى ولدها الأكبر- للعمل مجبرة، لتكون هذه المرة بقالة وسط الحي الصغير الذي تعيش فيه أسرتها بمحافظة كركوك؛ تجر عربة الفواكه والخضار بحصان متجولة في برد الشتاء وحرارة الصيف رامية على عاتقها مسؤولية الرجال.

تقول أم خالد -وهي إحدى المتسوقات- رأيها بأم زمان "هكذا وفرت لنا البقالة المتجولة أم زمان قسطا من الراحة بجولاتها داخل أحياء كركوك، وأصبحنا من عملائها اليوميين، ونفتقد تأخرها وغيابها حين يمر يومان أو أكثر، فقد اعتدنا شراء ما نحتاجه من الفواكه والخضار منها بدلا من الذهاب وقطع مسافات طويلة وأجور نقل إلى الأسواق"؛ وهو ما أكده رياض الدليمي -وهو زبون آخر- مضيفا: هذه المرأة ليست قدوة للنساء فحسب بل حتى للكثير من الرجال المتقاعسين عن العمل، باعتمادها على نفسها ترسل خطابا مفاده: مهما تعسرت الأوضاع فلا بد من مخرج". 

تخلت عن حلم التدريس لتعمل بائعة متجولة لمساعدة أسرتها (الجزيرة)

الأمل يتجدد
فقدان أم زمان لحلم التدريس انتقل كأمنية تتمناها لأولادها الستة، فتقول: تأثرت في بادئ الأمر من هدر مستقبلي، وليس غريبا فالاستسلام للواقع المتردي هو الإحباط بعينه؛ لكن مع مرور الزمن حولت الفكرة إلى أبنائي وبناتي وأصبحت كل أمنياتي أن أراهم قد أكملوا دراستهم وتخرجوا لتحمل شهاداتهم حلمي الذي طال، و تمنيت تحقيقه.

وتواصل حديثها "لا أنكر أن ما أقوم به شاق وقد يكون لا يطاق، لكن الهدف الذي وضعته أمامي لأولادي مع ابتسامة الصغار لي عند رجوعي للبيت نهاية النهار فرحين بعودتي، تنسيني كل ذلك الكلل".

أم مثالية
تابعت أم زمان "أتعبتني العربة خاصة في الصيف، وكنت أمرض دوما بسبب حرارة الجو، فطافت بذهني فكرة شراء سيارة حمل للتجوال بها، فكابرت كثيرا وأعييت نفسي بجهد أكثر مما أطيق لجمع مبلغ من المال، واستطعت اقتناء سيارة حمل تقيني لهيب الصيف وقرصات الشتاء؛ واستطعت إتقان السياقة بغضون شهرين".

هكذا تسرد أم زمان حقبتها الثانية من رحلة العناء قائلة "لم يكن شراء السيارة العامل الوحيد للتخفيف عن كاهلي، فولدي زمان صار سندا وذراعا أيمن لي، وهو يرافقني أيام عطلته للعمل ويعينني بقيادة السيارة خاصة في الأماكن العامة، تجنبا لحديث بعض المارة، أما داخل الأحياء السكنية فأواظب أنا على قيادتها".

يقول زمان "أنا فخور بما فعلته أمي خلال مسيرة حياتها، فقد استطاعت المحافظة على شمل أسرتنا عبر الاعتماد على نفسها، وضحت براحة البال والجسد من أجلنا، وحان الوقت لنرد لها شيئا من المعروف وأوله إعانتها بالعمل، وثانيه تحقيق أمنيتها بنجاحاتنا الدراسية، وأنا فخور بها لا لأنها أمي فقط بل لأنها مثالية بين النساء".

وتعلق الباحثة الاجتماعية والناشطة في مجال المرأة لبنى عزت، قائلة "يجب أن تكون المرأة قوية أمام شدائد الحياة وتقلبات الظروف، وأن تنظر لنفسها مكملة لزوجها في مختلف جوانب الحياة وخاصة في الأوقات الحرجة".

وتتابع قائلة إن أم زمان استحقت عن جدارة الترشيح لمسابقة الأم المثالية العام الماضي في العراق، وهي من القليلات اللواتي عرفن ما على المرأة من واجبات ساعة العسر لتقويم الأسرة، بدلا من التمرد وتعكير صفو العلاقة الزوجية.

المصدر : الجزيرة
كلمات مفتاحية: