إلسي باورمان.. نجت من الغرق بتيتانيك وهكذا تحولت حياتها

باورمان الناجية من الغرق في تيتانيك (مواقع التواصل)
باورمان الناجية من الغرق في تيتانيك (مواقع التواصل)

حفصة علمي-باريس

بعد اصطدام السفينة تيتانيك بجبل جليدي في ساوثامبتون ليلة 14 أبريل/نيسان 1912، نجا 705 ركاب من أصل 2206 كانوا على متنها. كانت إلسي باورمان (1889-1973) من المحظوظين الذين تسنت لهم فرصة البقاء على قيد الحياة على قارب النجاة رقم 6 عندما كانت في سن 22.

وبعد النجاة من الكارثة، واصلت الشابة البريطانية حياتها وشهدت أحداثا تاريخية كبرى، منها الحربان الكونيتان وتطور دور المرأة في القرن العشرين.

العودة من الموت
عام 1912، قررت باورمان مغادرة إنجلترا وعبور المحيط الأطلسي على متن السفينة تيتانيك مع والدتها لزيارة العائلة والأصدقاء في أميركا وكندا.

كان حجز تذكرة السفر في تلك الرحلة خيارا سيئ الحظ بالتأكيد، لكن باورمان ووالدتها كانتا في وضع أفضل من معظم المسافرين. فلم تستفيدا من القانون البحري الخاص بـ "النساء والأطفال أولا" فقط، بل ركبتا أول قوارب النجاة بصفتهما مسافرتين بالدرجة الأولى في المقصورة رقم 33.

ومع ساعات الصباح الباكر من 15 أبريل/نيسان، غادرت باورمان ووالدتها السفينة في قارب النجاة السادس الذي استوعب رجلين وطفلا و21 امرأة، إحداهن الأميركية مارغريت براون الشهيرة باسم "موني براون غير القابلة للغرق" التي ساعدت على البحث عن ناجين خلال الحادثة.

وكتبت باورمان فيما بعد عن تجربة تايتانيك "تلا صمت المحركات المتوقفة طرقات على باب غرفتنا تطلب منا الذهاب إلى سطح السفينة. عندها أُنزلنا إلى قوارب النجاة حيث قيل لنا إنه يجب الابتعاد بأسرع ما يمكن. لقد كانت تجربة التجديف في قلب المحيط الأطلسي مع وجود جبال جليدية عائمة أمرا غريبا للغاية".

دعم حقوق المرأة
كانت باورمان امرأة مؤثرة حتى قبل الصعود إلى سفينة تايتانيك. ففي عام 1909، انضمت إلى الاتحاد الاجتماعي والسياسي للمرأة، وهي مجموعة كانت تناضل من أجل حصول المرأة على حق التصويت في إنجلترا برئاسة إميلين باكهورست.

وشاركت باورمان في التزامها بمنح المرأة حق الاقتراع أثناء دراستها بكلية جيرتون بجامعة كامبردج، وكتبت في مذكراتها "أحرص على ارتداء شارتي بشكل واضح في المحاضرات بقدر الإمكان". بعد ذلك، مكنها عملها في مجال المحاماة الاستمرار في طلب هذه الحقوق وتشجيع النساء على العمل التطوعي خلال الحروب.

المجهود الحربي
غيرت الحرب العالمية الأولى المشهد السياسي في بريطانيا. وعلى غرار أعضاء المنظمة الآخرين، ابتعدت باورمان عن الكفاح من أجل حق المرأة في التصويت للانشغال بدعم المجهود الحربي، وانضمت إلى وحدة مستشفى خاص بالنساء في أسكتلندا.

ثم طُلب من الوحدة التي كانت تنتمي إليها الذهاب إلى صربيا حيث كان الطريق آنذاك شديد التعقيد، ووجب العبور عبر الدول الإسكندنافية وموسكو وأوديسا لخدمة الجيوش الصربية والروسية في رومانيا. ووصفت باورمان في مذكراتها خيام المستشفى الميداني والنوم بالهواء الطلق على بعد عشرين ميلا فقط من خط إطلاق النار والحفلات الغنائية مع الجنود والضباط الروس.

انتقلت بعد ذلك إلى سان بطرسبرغ لتشهد لحظة رئيسية أخرى في التاريخ، وهي اندلاع الثورة الروسية عام 1917.

ووصفتها قائلة "كان الوضع هائجا في المدينة، جنود ومدنيون مدججون بالسلاح في كل مكان، مرت عدة طلقات من خلال نوافذ غرفة الفندق وقام المتمردون بتفتيش كل الغرف بحثا عن جاسوس من الشرطة، كان إطلاق النار والصراخ مستمرا طوال اليوم في الشوارع، أشاهد حشودا من الناس وشاحنات مكتظة بالرجال المسلحين عبر نافذة الفندق في فترة ما بعد الظهر".

في مجال المحاماة
مُنحت النساء في إنجلترا حقوق تصويت محددة بعد الحرب الكونية الأولى في السادس من فبراير/شباط 1918، وسرعان ما تحسنت وضعية المرأة في مجالات أخرى. فعلى سبيل المثال، سمح إبطال قانون الإقصاء بسبب الجنس عام 1919 للنساء بممارسة مهن كانت ممنوعة، كالمحاسبة والمحاماة والقضاء.

استغلت باورمان هذا التغيير لصالحها وقبلت في نقابة المحامين عام 1924، وواصلت مشوارها إلى أن أصبحت أول محامية بمحكمة أولد بيلي العليا الشهيرة في لندن.

ثم أسست رابطة "Women's Guild of Empire"عام 1925، وهي منظمة تهدف إلى تعزيز الشعور بالوطنية لدى النساء من الطبقة العاملة وتثقيفهن في السياسة والاقتصاد، وتشجيع المسؤولية الفردية ومعارضة الاشتراكية والشيوعية.

الحرب الثانية والأمم المتحدة
قدمت باورمان خدماتها خلال الحرب الكونية الثانية وشملت مشاركتها في القسم التطوعي الملكي للمرأة ومنصب بوزارة الإعلام. وانضمت أيضا إلى هيئة الإذاعة البريطانية قبل الذهاب إلى الولايات المتحدة والعمل موظفة اتصال في خدمات "بي بي سي" بالخارج من 1941 إلى 1945، وأصبحت رئيسة للخدمات العامة بمكتب لندن المسؤول عن المؤتمرات.

وبعد انتهاء الحرب، تم تشكيل الأمم المتحدة حيث قامت باورمان بالمساعدة في تأسيس اللجنة المعنية بوضعية المرأة عام 1947.

عانت باورمان من سكتة دماغية وتوفيت عن عمر ناهز 83 عاما، وودعت العالم بهذه الكلمات "كانت الحياة مليئة بالمفاجآت والأفراح والمغامرات. وداعا أصدقائي وشكرا على حبكم الذي منحني هذه الحياة السعيدة في هذا العالم".

المصدر : الجزيرة