رحلة البحث عن الطحالب.. من قال إن "حوريات البحر" أسطورة؟

 مريم التايدي-شواطئ الجديدة/المغرب

كما الحكايات الأسطورية، لوحت مليكة بخصلات شعرها الطويل إلى الوراء، وهي ترتدي لباس الغطس متوارية خلف جرف من شاطئ صخري ضواحي مدينة الجديدة (جنوب الدار البيضاء)، قبل أن تغطي شعرها، وتلبس لباسا طويلا ومهترئا يداري جسدها.

في العشرينيات من عمرها تبدو مليكة جميلة الملامح رغم لفحة الشمس البادية على وجهها، تستعد بحزم وبحركات سريعة، رفقة باقي صديقاتها، للغطس في مياه المحيط الأطلسي بحثا عن الطحالب الحمراء.

من مختلف الأعمار الكل في البحر لجني الطحالب (الجزيرة)

الحوريات حقيقة
ساهمت "سيزج" و "آريل" و "مامي واتا" حوريات البحر الأسطوريات، في إنقاذ حياة البحارة، وتغذية هوس القراصنة بسبر الأغوار بحثا عن عرائس البحار، أو ما سمي في الأدب العربي بـ"بنات البحر" و"الخيلان"، لكن شواطئ الجديدة بالمغرب تعج بنساء بحر حقيقيات، يجبن أعماق المحيط الأطلسي، ليستخرجن الطحلب الأحمر.

في صباح من صباحات أغسطس/آب الحارة، رافقت الجزيرة نت، نساء تعاونية "حوريات سيدي العابد لتثمين المنتجات البحرية"، في رحلتهن اليومية لجني الطحالب أو ما يعرف في المنطقة باسم "الربيعة" (وهي تصغير لكلمة الربيع، بمعنى العشب).

تكدست نسوة البحر في سيارة نقل للبضائع، وانطلقن في رحلة البحث عن الطحالب، يواجهن شقاء المهنة وقساوة المناخ بالزغاريد والأهازيج على طول الطريق، ولدى وصولهن لبسن لباس الغطس، ومضين يبحثن خلف الصخر وفي عمق البحر عن الذهب الأحمر.

الكل في البحر
على طول 150 كيلومترا تقريبا، تتوزع قوارب "الغطاسة" في نقط بعيدة من الساحل الذي يعج بالنساء والأطفال من مختلف الأعمار، تقول مباركة، بحارة ومنخرطة في تعاونية حوريات سيدي العابد، للجزيرة نت إن كل من يولد يأتي إلى البحر.

يوفر ساحل منطقة الجديدة ما يعادل 80% من الإنتاج الوطني من مادة الطحالب الحمراء، وتتميز منتوجاته بالجودة العالية.

وتستعمل الطحالب الحمراء المغربية، بفضل خصائصها، في صنع مزارع استنبات البكتيريا في المختبرات الطبية، وتستخرج منها مادة "أغرا-أغرا" المتعددة الاستعمال.

صعوبة وتحد وسباق مع الزمن.. الطحالب الحمراء مصدر العيش الوحيد بالمنطقة (الجزيرة)

مصدر عيش
غاصت مليكة وزميلاتها بقعر البحر، وجمعت غنيمتها اليومية من البحر في حِجر لباسها البيتي.

تقول إحدى المنخرطات بالتعاونية بمرارة ظاهرة "الربيعة هي مصدر العيش لدى كل ساكنة المنطقة، منها نُعيّد ومنها ندرس أبناءنا، إن حياتنا مرتبطة بالبحر ومرهونة به".

قاطعتها زميلتها "ليس فقط تعليم الأبناء واللباس، بل المعيشة والقوت اليومي"، وتابعت أخرى "إذا لم نشتغل بالبحر لا نعيش، الربيعة هي وقود الحياة ومحركها الأساسي".

تضرر سكان المنطقة من تحديد أيام جني الطحالب بدل الاستفادة طيلة الموسم، ولم يعد المحصول يغطي حاجاتهم اليومية، بحسب إفادتهن.

يواجهن قساوة البحر والصخر ويستخلصن منه ذهبا (الجزيرة)

الحوريات غاضبات
تضم تعاونية حوريات سيد العابد حوالي 300 مشتركة، استفاد بعضهن من تدريب في الغطس، ومنهن الحاصلات على صفة مهنة بحار. وتدير التعاونية مشروعا لتسويق قنفد البحر وبلح البحر، غير أن وحدة التسويق تبدو متوقفة.

بملامح جادة غيرت لونها أشعة الشمس اللافحة وملوحة البحر، أوضحت نور للجزيرة نت، أن الوحدة متوقفة حاليا نتيجة عدم وجود المنتوج، وأن تلوث الجرف الأصفر حيث توجد معامل الفوسفات ومشتقاته تسبب في إعلان قنفذ البحر وبلح البحر منتجات ملوثة.

وأضافت نور التي رفضت التصوير والظهور بوجه مكشوف أن الشكوى لم تعد تجدي نفعا، وأن قانون البحر الذي يأكل فيه الحوت الكبير صغار السمك يسري على مهن البحر.

وكانت السلطات في وقت سابق قد أعلمت سكان المنطقة بتسمم محار البحر وحذرت من تناوله.

13 وحدة للبيع على طول الساحل.. لكل نصيب من محصول البحر حسب جهده (الجزيرة)

قلق عام
الغضب لا ينحصر في نساء تعاونية سيد العابد فقط، فخلال جولتنا بالساحل تلقينا شكاوى من نساء أخريات تفيد بأن الشركات الكبرى هي من تستفيد من خيرات البحر، وأنهن يأخذن الفتات فقط، وتشتكي النساء من استبداد الوسطاء وانخفاض ثمن البيع.

وتعتبر نساء البحر أن محدودية الأيام المسموح فيها بجني المحصول ضيقت عليهن عيشهن وتعرضهن للتشرد وقلة ذات اليد، في حين يرجع المسؤولون عن القطاع حصر الأيام إلى خطورة استنزاف المحاصيل واحترام الراحة البيولوجية، الأمر الذي ترفضه النساء ويعتبرنه دربا من دروب التواطؤ مع كبار المستغلين.

رفضن كشف هويتهن خوفا على رزقهن (الجزيرة)

استبداد وخوف
تقول نور "النساء كن ينزلن بكثرة إلى البحر لكن الاحتكار وسطو النافذين منعاها"، وتابعت بحسرة "المرأة تواجه البحر ولا تواجه الرجال والمجتمع ولا قدرة لها بالنافذين واللوبيات".

وتضيف مشتركة أخرى أنهم "أخذوا منا أرضنا، ويستغلون خيراتنا، ونخاف من البوح"، في حين تضيف ثالثة "أموال طائلة تدخل، يتمنون موتنا ليخلو لهم رزقنا، ويخلو لهم البحر".

يذكر أن وزارة الزراعة والصيد البحري كانت قد حددت الإنتاج الأقصى بـ 6040 طنا سنويا، 20% منها مخصصة للتصدير خاما، بينما تحتكر شركة واحدة التحويل واستخلاص مادة "أغرا أغرا"، وتستحوذ على 80% من المحصول. ويقدر رقم معاملات هذا القطاع في المغرب بحوالي 350 مليون درهم (31 مليون يورو).

تقول الأسطورة الإغريقية إن حورية البحر تسكن روحها صرحا أو شجرة، وتنتهي حياتها حين يهدم الصرح الذي تسكنه أو تقطع الشجرة، وحوريات بحر الجديدة يسكن رزقهن "الربيعة" إن بقيت بقين وإن تأذت تأذين.

المصدر : الجزيرة