عطاء بعد الستين.. الحاجة أم خالد تفرح أيتام العراق في العيد

الحاجة أم خالد في أحد محلات أسواق الشورجة ببغداد لشراء الملابس للأيتام (الجزيرة)
الحاجة أم خالد في أحد محلات أسواق الشورجة ببغداد لشراء الملابس للأيتام (الجزيرة)

وليد المصلح-بغداد

بعد رحلة الستة عقود بحلوها ومرها، ما انفكت الحاجة أم خالد (64 عاما) بهمة يافعة تبذل الوقت والمال وتحنو على من لا يحنو عليه أحد، ممن أصابهم اليتم والفقر معا، فترسم للعيد بأعينهم بسمة وفرحة.

اعتادت المرأة الستينية قبيل العيد من كل عام الذهاب بصبحة زوجها أبو خالد (70 عاما) رفيقها في الحل والترحال، إلى أسواق الجملة بمنطقة الشورجة في قلب العاصمة بغداد، بقصد التبضع وشراء الملابس لكن ليس لعائلتها أو لأحد من أترابها، وإنما للأيتام والمعوزين من أطفال المناطق النائية في أطراف المدن، حيث تتضاءل يد الإحسان وتقل، لبُعد المسافة ومشقة الترحال.

أم خالد وزوجها ينتقيان للأيتام أجمل الملابس (الجزيرة)

حنان الأمومة الدافئ
تتحدث بصوت متقطع خفيض ينبض بحنان الأمومة الدافئ، "كنت أظن أن إحالتي إلى التقاعد بعد ثلاثين عاما من العمل في سلك التعليم، ستجعلني حبيسة الجدران في منزل لم يعتد وجودي فيه إلاّ قليلا، لكني أيقنت الآن أنها البداية للبذل بسخاء والعمل لإسعاد الآخرين".

عائلتها المكونة من ستة أفراد تحمل معها العبء ذاته، وتشاطرها فقرات العمل، فالكل يشترك في دفع جزء من مرتبه لشراء الملابس والهدايا.

تجتمع الأسرة في منزلها المتواضع الهادئ لترتيب وفرز ما تم شراؤه وفقا لعمر الأطفال وجنسهم، ليختم العمل بإيصال المواد إلى وجهتها الأخيرة، فثمة من ينتظرها هناك بترقب وشغف.

الحاجة أم خالد في أحد المحلات تختار الملابس لليتيمات (الجزيرة)

لحظات الألم والأمل
ابنها البكر الذي غالبا ما يرافقها في إيصال ما جادت به يد الإحسان إلى مستحقيه في مشارف المدن، يقول للجزيرة نت "لست بأقل سعادة من أولئك الصبية وهم فرحين بملابسهم الجديدة، فذلك ما يبهج أمي كثيرا، ويبعث فيها روح التحدي وهي تشاركهم لحظات الألم والأمل".

الأطفال الذين اعتادوا إطلالتها قبل بزوغ فجر العيد، جلّهم من الأيتام الذين ما عاد للعيد طعم لديهم ولا لون، لولا تلك الزيارة التي تشعرهم بأن "سانتا كلوز" ما زال حاضرا ولم ينس منهم أحدا.

وغالبية أولئك الصبية يقطنون الأحياء الفقيرة في أطراف البلدات والمدن، بعيدين عن كل شيء إلا فرحة العيد، فقد أصبح لهم نصيب فيها.

فرز الملابس في المنزل بحسب الأعمار والجنس بمساعدة العائلة (الجزيرة)

الفرح في قلب يتيم
"شيء جميل أن تعطي اللقمة لجائع، لكن الأجمل إدخال الفرح لقلب طفل يتيم بكسوة عيد"، بهذه العبارات تتحدث الباحثة الاجتماعية جنان مبارك للجزيرة نت عن مبادرات الميسورين في الأعياد.

تقول جنان إن عدد الأيتام زاد كثيرا عن ذي قبل بسبب موجات النزوح والإرهاب، ولا بد أن يكون للدولة التفاتة، فكما يفرح المسؤولون بالعيد، هنالك فقراء وأيتام لا يقلون شأنا عنهم، بانتظار من يمنحهم جرعة أمل.

فرز الأحذية في المنزل بحسب الأعمار والجنس بمشاركة أفراد الأسرة (الجزيرة)

الثقة بالحياة من جديد
أبو يوسف أحد قاطني القرى القصية غربي العاصمة بغداد، تراه يترقب من بعيد وصول كسوة الأطفال، ويحمل بين يديه قائمة طويلة بمن فقد أحد أبويه أو أزرى به الحال فأصبح يعيش على الكفاف.

يردد أبو يوسف في حديثه للجزيرة نت "نحن محظوظون جدا بوجود أناس يؤثرون على أنفسهم، تعلمنا منهم أن للحياة جمالا أكثر مما كنا نظن، توزيع ملابس العيد على العائلات المعدمة، يمحو من نفوسها اليأس ويمنحها الثقة من جديد".

أسواق الشورجة في بغداد وجهة أم خالد لشراء ملابس العيد للأيتام (الجزيرة)

أطفالي يحتفلون بالعيد
أم علاء إحدى النسوة القابعات في منزل صغير متهالك يشي بفقر ساكنيه، تتحدث بعينين تكاد الدموع تقفز منهما "خلقنا فقراء ولا عيب في ذلك، لكن العيب أن يمسك من بإمكانه مساعدتنا، فلا يقدم لأمثالنا شيئا، أطفالي بإمكانهم الاحتفال بالعيد هذا العام، فقد استلمنا بعض الملابس من الحاجة أم خالد".

تتوالى الأيام والسنين مسرعة في دروب الأزمنة، فيشيخ المرء ويمضي العمر سريعا، لكن النفوس الكبيرة لا تعرف في العطاء معنى للهرم، فالإنسانية ليس لها موعد تتوخاه، وهذا ما دأبت على إيصاله أم خالد فكانت أول المبادرين.

المصدر : الجزيرة