سيدات "المذبح" لا يخشين السكين.. الجانب الخفي من حياتهن

شبيهة تحية كاريوكا هزمت نصل السكين والسرطان (الجزيرة)
شبيهة تحية كاريوكا هزمت نصل السكين والسرطان (الجزيرة)

شيماء عبد الله

"المذبح" تلك الكلمة التي تثير الرعب في النفوس، لا أحد يجرؤ على الدخول في جدال مع أصحاب الحي، سواء رجاله أو نسائه في الحي القديم بالسيدة زينب بالقاهرة.

بعباءة سوداء وغطاء رأس، وحذاء بلاستيكي أبيض كبير يقي القدمين من أن تتشربا بالدم أو المياه الملوثة جراء تنظيف بطون الأبقار وأحشائها، هيئة واحدة للجميع، لكن تبقى لكل منهن سماتها الشخصية التي تبعدها عن التكرار، حتى وإن كان لها ألف شبه، تختلف بدرية، عن صباح، عن نسمة، والجميع يختلف عن "الست تحية".

يستقبل شادر آل عاشور الزبائن قبل العيد لسن وشراء السكاكين (الجزيرة)

شبيهة كاريوكا
تخطف الأبصار بجمالها البسيط، بدرية التي يلقبها الجميع بالست تحية، لقرب الشبه بينها وبين الفنانة المصرية تحية كاريوكا، لم ترد أبدا السيدة الخمسينية أن تفعل هذا يوما ما، لكن أجبرتها قسوة السرطان أن تحافظ على هيبتها وسط نساء السوق، بوشم الحواجب والكحل الموشوم، وعقد العنق الفاتن.

منذ سبع سنوات عرفت بدرية أنها تعاني من سرطان الثدي، الحل أن تستأصل الثديين، وأن تخضع لجلسات العلاج بالكيميائي والإشعاع، بعد شهور من العلاج كان عليها أن تعاود النزول للسوق، حيث لم تعد تتحمل الجلوس في المنزل لوقت أطول، عادت للسوق.

موسم الرزق
اعتادت أم كريم تلك المشقة، عبر سنوات طوال، حتى أنها لم تعد تشعر بصعوبتها، ففي كل الأحوال لن تكون هذه الأيام في صعوبة زمن أبيها الذي علمها المهنة، منذ كانت طفلة ثم تزوجت واستكملت مع زوجها ذات المسيرة، وها هو ابنها الأوسط يستكمل مسيرتها ويعاونها.

ورثت أم كريم المهنة عن أبيها (الجزيرة)

أحشاء الذبائح لحم الغلابة ومزاج "الأكيلة" تقول أم كريم إنها في بعض الأوقات تبيع الكيلو بعشرة جنيهات فقط لو شعرت أن الزبون متواضع الحال.

صعيدية غلبت إخوتها
عبر سنوات العمر التي خلت، تعلمت صباح فنون الذبح، والسلخ والتقطيع، تستطيع بمهارة أن تكبل الذبيحة، وتعرقل أقدامها عن الحركة، كانت شجاعتها البادية سبب احتفاء والدها بها، وتفوقها على أشقائها الذكور.

والابنة أكملت المسيرة، وأضحت معلمة مستقلة، لا السكين ولا الساطور يستطيعان أن يرهبا صباح ذات الضحكة الرنانة، فقط الفقر هو ما يذل عنقها، فتضطر أن تخرج من منزلها فجر كل يوم، لتعود بعد أذان العشاء، بعد أن تفرغ عربتها من بضائع اليوم، أربعة من الأبناء جميعهم في مراحل التعليم المختلفة، تحرص الأم على أن تعوض في أبنائها ما حرمت منه.

تفوقت صباح الصعيدية على أشقائها (الجزيرة)

ابنة البرنسيسة
على عربة خشبية تجلس وتتدلى قدماها، فرحة ببعض النسمات، وعلى يسارها طفلها الوحيد "سعد" ذهب والده في رحلة طويلة منذ سنوات للبحث عن لقمة العيش، لكنه لم يعد. رغم مدة أعوامها الثلاثين تقول "ربتنا السكين في يد أبي وأمي ونحن صغار، ومازالت تربي أبناءنا".

آل عاشور للسكاكين
قسمان متساويان في شارع المذبح، على اليسار سوق "السقط" (الأحشاء) واللحوم، وعلى اليمين سوق السكاكين وأدوات الذبح، في مقدمة اليمين يحتل محل عاشور وأبناؤه مقدمة السوق،

رحل الأب الكبير، وبقيت الأم تحرس الأبناء ومالهم، تتكئ على يد الابن الأكبر، ظهرت عليها آثار الزمن، فتركت الرعاية للأبناء، وكرسي الإدارة لزوجة الابن.

ثلاثة أجيال تعاقبت على شادر آل عاشور (الجزيرة)

الجميع يعرف آل عاشور للسكاكين وأدوات الذبح، هي وجهة كل أصحاب الأضاحي، سواء لشراء الجديد أو سن القديم، لكن قليلين هم من يعرفون المعلمة الجدية التي تجلس على كرسي الإدارة، لم تزل تتعرف على أنواع السكاكين وأشكال السواطير، تسأل زوجها عما لا تعرفه، تقلب السكاكين بين يديها، تجرب النصول لتعرف أيها أحدّ من الآخر، خبرتها كربة منزل لم تشفع لها كثيرا أمام أشكال السكاكين والسواطير وعدة الجزارة المعلقة على جدران الشادر الضخم، لكن حبها لزوجها ومعاونته لها كانا كفيلين بأن ينزعا من قلبها أي خوف من مواجهة النصل الحاد.

المصدر : الجزيرة