يغرس حب التراث بنفوس الفتيات.. الحية بية تقليد قطري يوم وقفة عرفة

الفتيات يتسابقن برمي حياتهن في البحر (الجزيرة)
الفتيات يتسابقن برمي حياتهن في البحر (الجزيرة)

محمد السيد-الدوحة

ترتبط حضارة وهوية الأمم بمقدار ما تنتجه من عادات وتقاليد، وما توليه من اهتمام ومحافظة على عاداتها وتقاليدها الأصيلة المرتبطة بكيانها الروحي والمادي ومصدر هويتها الثقافية والحضارية عبر مراحل تاريخها الطويل.

و"الحية بية" هي إحدى الممارسات الشعبية التي يتميز بها المجتمع القطري في عيد الأضحى، والتي تناقلتها الأجيال عبر التاريخ، وحافظت عليها لتؤكد صلابة الثقافة الشعبية وقدرتها على الصمود والبقاء رغم كل أشكال التغيير التي طالت كافة مناحي الحياة.

"يا حيتي يا بيتي، راحت حية ويات حية، على درب لحنينية".. أنشودة رددتها فتيات مركز الدانة التابع لوزارة الثقافة والرياضة، خلال تجمعهن على شاطئ كورنيش الدوحة قبل رمي حياتهن في البحر، في تقليد شعبي يجري في التاسع من ذي الحجة يوم الوقوف بعرفات.

وترى الطفلة شريفة علي إحدى منتسبات مركز الدانة للفتيات، أن "الحية بية" من الموروثات القديمة التي تربت عليها في الأسرة والمجتمع القطري، خاصة في ظل اهتمام والديها بالتراث والحرص على وجوده في كافة أرجاء المنزل خاصة المجلس.

الطفلة شريفة علي ترى أن نبتة الحية بية تختلف حسب الرعاية والاهتمام (الجزيرة)

العادات والتقاليد
والتمسك بالعادات والتقاليد من سمة القطريين، و"الحية بية" إحدى هذه العادات ويعود أصلها إلى "الحجي بيجي" وتعني أن الحاج سيعود بعد انتهاء موسم الحج، لكن أهل قطر يزيد اهتمامهم بالعادات والموروثات كلما تقادم الزمن، خاصة تلك العادات التي ترتبط بالأعياد الدينية. 

وقالت شريفة للجزيرة نت إن الأولاد في صغرهم كانوا يساعدون الآباء في تربية ورعاية الخروف وكذلك عملية الذبح، في حين كان هذا الأمر ممنوعا على الفتيات، وهو ما جعلهن يستعضن عن ذلك بتربية ورعاية نبتة "الحية بية" ثم التضحية بها ورميها في البحر يوم عرفة.

وتوضح الطفلة القطرية التي لم تتجاوز التاسعة من عمرها، أن نبتة الحية بية تختلف حسب الرعاية والاهتمام، وأنها زرعت نبتتها منذ الأول من شهر ذي الحجة، وطوال هذه الفترة وهي ترعاها حتى أصبحت جزءا منها، خاصة أن هذه ليست المرة الأولى التي تقوم فيها بهذا التقليد.

الحية بية موروث قطري متجدد (الجزيرة)

"الحية بية" تعتبر من عادات وتقاليد المجتمع القطري القديمة التي ترتبط بعيد الأضحي وتعلم الأطفال الصبر والتضحية، ففي الوقت الذي يقوم فيه حجاج بيت الله بشعيرة النحر والأهالي بذبح الأضاحي، يقوم الطفل برمي "الحية بية" التي رعاها وارتبط بها في البحر.

وتعتبر نادية تركتر عضو المكتب التنفيذي لمركز الدانة للفتيات، أن "الحية بية" تقليد قطري شعبي اجتماعي في عيد الأضحى متأصل ومتوارث من الآباء والأجداد، ويحمل معاني كثيرة تسهم في غرس حب التراث الشعبي وممارسته في نفوس أجيال المستقبل، والمحافظة على الطابع التراثي من خلال العادات التي يسودها هذا التقليد.

نادية تركتر: الحية بية تعلم الفتيات الصبر والتضحية (الجزيرة)

أنشودة الحية بية
وتقول تركتر للجزيرة نت إن الاحتفالات بـ"الحية بية" تتسم بطابع التراث القطري القديم، من خلال تزين الفتيات وحرصهن على ارتداء الزي التقليدي "البخنق" المطرز بخيط الزري، وترديد الأهازيج الخاصة بهذه المناسبة.

و"الحية بية" عبارة عن سلال من الخوص صغيرة الحجم، مصنوعة من سعف النخيل، يزرع الصغار فيها الحبوب مثل القمح والشعير، ويعلقونها في منازلهم ويرعونها حتى تكبر ثم يلقونها في البحر بعد غروب شمس يوم عرفة، ويرددون أنشودة الحية بية ويدعون الله أن يجعل عيدهم سرورا ويعيد حجاجهم من بيت الله الحرام سالمين ومحملين بالهدايا لهم.

كل فتاة فخورة بزرعتها (الجزيرة)

وتؤكد تركتر أن اهتمام مركز الدانة للفتيات بهذه المناسبة كونها إحدى فعاليات الاحتفال بالعيد الأضحى، فضلا عن أنها إحدى العادات المتوارثة من الآباء والأجداد والمرتبطة بالثقافة الشعبية القطرية التي تعلم النشء الصبر والتضحية والتمسك بالعادات والتقاليد.

وتعد أنشودة "الحية بية" بمثابة حوار يدور بين الفتيات اللاتي زرعن بيدهن نبتة "الحية بية"، وقمن بالاعتناء بها على مدى ثمانية أيام وأحيانا أكثر، حيث تطلب الفتاة في حوارها مع نبتتها أن تكون شاهدة لها وألا تدعو عليها وهذا معنى "لا دعين علي"، لأن الفتاة قامت بتغذيتها "غديتك، وعشيتك"، ثم تذكر الفتاة حيتها بأنه مع رعايتها لها إلا أنها سترميها في البحر وهو ما تعنيه كلمة "قطيتيج".

الحيات في مياه البحر ومعها أماني وأحلام الفتيات (الجزيرة)
المصدر : الجزيرة