حليمة.. من موظفة إلى عاشقة تصوير الحياة البرية المغربية

حليمة بدأ عشقها للحياة البرية الطبيعية منذ طفولتها (الجزيرة)
حليمة بدأ عشقها للحياة البرية الطبيعية منذ طفولتها (الجزيرة)

عبد الغني بلوط-الأطلس الكبير

في يوم معتدل من يوليو/تموز، وقبيل أن ترسل الشمس خيوطها الذهبية الأولى، تكون مصورة الحياة البرية حليمة بوصديق قد جمعت فريقها بأزيائهم المحاكية للطبيعة لينطلقوا في رحلة جديدة من المتعة والاستكشاف في غابة بجبال الأطلس الكبير.

انطلقوا محملين بكاميرات كبيرة وثقيلة، ثقل لا يخففه عنهم سوى عشقهم للطبيعة وجمالية الحصول على صور معبرة لحيوانات في موطنها الأصلي، يحرص أعضاء المجموعة على أن تمر حصة التصوير بدون ضرر للكائنات البرية.

وتقول بوصديق رئيسة جمعية مصوري الحياة البرية للجزيرة نت وهي تراقب معداتها "من يحب الأشياء الجميلة يتحمل مشاق الاقتراب منها، ويسعى بكل العشق الذي يتملكه للحفاظ عليها".

حليمة اختارت ترك وظيفتها والتفرغ لتصوير الحياة البرية (الجزيرة)

تجمع المصورين
بعد أن أنهت مسارها في الوظيفة العامة، اختارت حليمة أن تتفرغ لتصوير الحياة البرية، وحظيت بثقة زملائها لتصبح رئيسة لجمعيتهم.

بعد ورشة نظرية، وفي درس تطبيقي في غابة تاكاديرت، اجتمع خيرة من مصوري الحياة البرية قادمين من مختلف مناطق المغرب ومن الجزائر أيضا، ومجموعة أخرى شابة ممن يريدون شق طريقهم في هذه الممارسة الجميلة.

وفي هدوء تام، لا تقطعه سوى خشخشات النباتات البرية المحتكة بالأرجل، يتوزع الجميع في الغابة الكثيفة، في حين تختار حليمة مثل كل فرد من المجموعة مخبأها.

وتشرح "يترقب كل مصور لفترة اللحظة المناسبة للضغط على زر كاميراته، يراقب مستمتعا بما حصل عليه من صور، ثم يعيد الكرة مرات متعددة دون ملل أو كلل".

حظيت بثقة زملائها لتصبح رئيسة لجمعيتهم الخاصة بالتصوير البري (الجزيرة)

البداية
تتذكر حليمة عشقها الطفولي للطبيعة، فمنذ نعومة أظفارها كنت تقف مشدوهة أمام جمال النباتات والحيوانات خلال زيارتها للقرية.

شغفها ذلك جعلها تتابع دراستها لتصبح أستاذة لعلوم الحياة والأرض، وتنخرط في تأسيس أندية بيئية تعليمية بمدينة مراكش.

ولم يقف طموحها عند هذا الحد، فانخرطت في مجموعة البحث لأجل حماية الطيور وأصبحت عضو مجلسها الوطني، وكان ذلك مناسبة لها لتعداد الطيور وتتبع كل نوع معين منها.

لكن بسبب جمال ما كانت تشاهده في الطبيعة، تعلق قلبها بتصوير الحياة البرية لتوظف الصورة في لفت الانتباه لأهمية الحفاظ على الثروات الطبيعية، حسب تعبيرها.

أعضاء المجموعة يحرصون على عدم إحداث أي ضرر للحياة البرية (الجزيرة)

نون النسوة
لا تخفي حليمة تشجيعها للنساء لممارسة التصوير البري، وتحرص أن يحضرن في كل أنشطة الجمعية.

وتقول الشابة حياة قاسم القادمة من مدينة أكادير لتتابع دراستها في مجال السينما للجزيرة نت "بالرغم من أني مبتدئة في مجال تصوير الحياة البرية، إلا أن هوى الطبيعة تملكني، ووجدت كل المساعدة من رئيسة الجمعية".

وتضيف وهي تراقب ما صورته كاميراتها وتستمتع بنظرة طائر عميقة "أسعى إلى أن أطور ممارستي في هذا المجال لأنه ممتع، ويتيح الفرصة لاكتشاف أماكن جميلة والتعرف على مكونات الطبيعة ودراسة تحركات الحيوانات البرية".

حليمة تقوم بتشجيع النساء لممارسة التصوير البري (الجزيرة)

ميثاق التصوير
تسعى رئيسة الجمعية إلى وضع ميثاق للتصوير في الحياة البرية رفقة زملائها المصورين، فهي تؤمن حسب تعبيرها، بأن يكون الممارس واعيا بتأثيره عن وعي أو عن غير وعي على الأنظمة البيئية والعمل على أن يكون عمله بدون ضرر.

أما حياة فتعتبر أن أهم بنود الميثاق هو الاحترام وعدم الإزعاج، لأنه المصور يحل ضيفا على بيئة ووسط عيش العديد من الكائنات، والتي قد يشكل الكائن البشري تهديدا لها.

وتؤكد ثريا مختاري مديرة منتزه توبقال بالأطلس الكبير أن ما تقوم به حليمة وزملاؤها مبادرة جيدة ونادرة تساهم في تأصيل أهمية الحفاظ على الأوساط البيئية الهشة.

وتضيف المسؤولة بمصلحة المياه والغابات في تصريح للجزيرة نت "نحن في حاجة ماسة لصور جميلة تظهر التنوع البيولوجي في المغرب، لكنها أيضا لممارسة واعية تمرر الرسائل اللازمة لتربية الذوق العام للجمال لدى الناشئة والشباب".

قد يشكل الكائن البشري تهديدا للحياة البرية إذا لم يكن على وعي تام بها (الجزيرة)

متعة
تبدو الغابة ساكنة وكأن الزمن قد توقف، إلى أن يظهر فجأة أحد المصورين في الطريق إلى مكان التجمع الأول، حين تصادفه ترتسم على وجهه "ابتسامة قناص" سعيد.

يشرح المصور يونس الرامي سبب غبطته للجزيرة نت وهو يرفع عينه إلى السماء بعدما شاهد طائرا محلقا يصف جناحيه مرة ويقبضها أخرى "ينتابك شعور جميل وأنت تشاهد رأي العين طيورا تحلق في الأعالي، أو كائنات تطعم صغارها تارة، وتلاعبها تارة أخرى، أو يغازل الذكور إناثها".

وتضيف للجزيرة نت المهندسة الجزائرية نجلاء عظامو متأثرة بأجواء الحفاوة التي حظيت بها إلى جانب مجموعة من مواطنيها في هذه الرحلة الاستكشافية "جميل جدا أن يجمعنا حب الطبيعة وعشق الصور، بإخواننا المغاربة، كما تجمعنا الهوية اللغوية والثقافية".

مصور الحياة البرية يواجه مخاطر عديدة وخاصة في بداياته (الجزيرة)

مخاطر ومغانم
يواجه مصور الحياة البرية مخاطر متجددة، فهو غالبا ما يمارس هذه الهواية في مناطق وعرة، كما قد يصادف في بداياته الأولى طرائف متعددة.

وقد يفاجأ وهو يصوب كاميراته بحيوان يقترب منه أكثر كأنه "صديق حميم" أو يقع في وحل لا يجد من يساعده ويخرج ملطخا، كما يحكي المصور يونس الرامي نائب رئيسة الجمعية.

ورغم ما يلاقيه مصور الحياة من مصاعب، فقد تنسيه أحيانا -يضيف الرامي- سعيه إلى التقاط صور جميلة متعته الجامحة وهو يشاهد الحيوانات والطيور وهي تتصرف على طبيعتها، متأملا في عظمة الخالق.

لكن ليس ذلك كل ما يجنيه مصور الحياة البرية، ففي مرات عديدة يكتشف وجود نوع حيواني، كما هو الحال مع ربيع أطلس أحد أشهر مصوري الحياة البرية بالمغرب وهو يروي للجزيرة نت التقاطه صورة نادرة لأحد الثدييات صنف السنوريات، وكان يعتقد أنه انقرض مند مدة.

في الموعد المحدد بعد ساعات من "تطويع الضوء" لالتقاط أجمل الصور، تجمع حليمة أعضاء المجموعة للتعليق على ما حصلوا عليه، وهي صور ستخرج للعلن وينتفع بها عشاق الطبيعة ومحبو الجمال وأيضا دارسو الحياة البرية.

المصدر : الجزيرة