الأرامل بالمجتمع الهندوسي.. ممنوع الزواج والميراث وإطالة الشعر

الأرملة حسب التقاليد الهندوسية تعيش منبوذة ولا تستحق الاحترام (الجزيرة)
الأرملة حسب التقاليد الهندوسية تعيش منبوذة ولا تستحق الاحترام (الجزيرة)


شمشاد حسين- نيودلهي

كان عمر "ردها" حين توفي عنها زوجها 18 عاما، تروي قصة حياتها والدموع تسيل من عينيها فهي تتعرض لكل أنواع الإهانة والإساءة التي تصل للاغتصاب من قبل أفراد في عائلة زوجها وهي تبلغ الآن 28 عاما وقد فضلت السكوت خوفا من السمعة السيئة والتهديدات التي تتلقاها.

أما "سوبدرا ديسائي" البالغة 67 عاما فهي تقول إن أولادها تخلوا عنها بعد وفاة زوجها فرحلت بعيدا عن بيتها حيث قضت أياما وليالي في العراء، حتى أوصلها بعض سائقي الشاحنات إلى هذا المكان.

لكن معاناة منوغوش تبدو أكثر ألما، فقد تزوجت في عمر 11 عاما من رجل يبلغ الأربعين، وحين مات لم يهتم بشأنها أحد.

واضطرت للعمل ساعات طويلة لأن الأجور قليلة، فالمجتمع الهندوسي لا يرغب في مساعدة الأرامل، لكن ابنتها ماتت لأنها لم تستطع تأمين الغذاء والدواء لها، وهي ترى أن الموت للأرملة أفضل من الحياة لتتخلص من جحيم المعاناة.

حكايات مختلفة ولكن الهم واحد، صور لحياة الأرملة بالمجتمع الهندوسي فلا يحق لها أن تلبس الملابس الملونة أو أن تتزين بالأساور والحلي، وعليها أن تبقى حليقة الرأس ومحرومة من كل المناسبات الاجتماعية في أكثر الأحيان.

الأرملة بالمجتمع الهندوسي تحرم من الميراث والزواج مرة أخرى (الجزيرة)

المعطيات الرسمية
طبقا للإحصاءات الحكومية فإن نسبة الأرامل بالمجتمع الهندوسي تصل إلى 4.6% من مجموع سكان الهند البالغ 1.250 مليار، أي أن عددهن يصل تقريبا إلى 56 مليون أرملة. 

وحسب التقاليد الهندوسية القديمة فإن الأرملة لا تستحق الاحترام وتعيش منبوذة وتعتبر من النحس ويجب عدم الاقتراب منها، ولا يحق لها الزواج مرة أخرى.

كما أنها تحرم من الميراث وتعيش على هامش الحياة وقد تضطر إلى ترك بيتها أو تجبر على العيش في الملاجئ الخاصة بالأرامل التي يطلق عليها (آشرم) والمعابد الهندوسية.

توفر هذه الملاجئ السكن ووجبات الطعام مقابل القيام بالأعمال المفوضة للأرامل مثل المشاركة في مجالس غناء الأناشيد للآلهة الهندوسية، وعزف الموسيقى الخاصة.

وتكثر هذه الملاجئ في مدن مثل كاشي ومدن هريدوار وماتورا التي تعتبر أماكن مقدسة للهندوس.

توجد بالولايات الخمس التالية أكبر نسبة للأرامل، وهي أترابراديش نحو 2.5 مليون، آندرا وتلنغانا 2.3 مليون، تاميل نادو 2.2 مليون، مهاراشترا مليونان، البنغال الغربية 1.9 مليون.

كما تظهر التقارير والمعطيات الرسمية الحقائق التالية التي تتعلق بأعمار الأرامل (10 إلى 19 سنة 0.45%، 20 إلى 39 سنة 9%، 40 إلى 59 سنة 32%، 60 سنة فما فوق 58%).

طقوس ومعتقدات
في الأزمنة القديمة كان هناك تقليد اجتماعي ديني يقال له "ستى" ويقضي أن تحرق الأرملة نفسها مع جثمان زوجها.

لكن أحد المصلحين الاجتماعيين البارزين ويدعى راجا رام موهن قاوم هذا التقليد الظالم بجهوده الإصلاحية، حتى جاءت الحكومة الإنجليزية عام 1828 بقانون جديد يمنع حرق الأرملة مع زوجها المتوفي.

انتهى هذا التقليد لكن المعاناة لم تنته حتى في عصرنا الجديد، ويكشف تقرير صادر عن مركز الإعلام النسائى تحت عنوان "مأساة الأرملة الهندية المستمرة" عن الحقيقة المؤلمة. 

ويقول هذا التقرير إن بعض مديري هذه الملاجئ قد يورطون الأرامل في تجارة الجنس من أجل المال.

مما يعني أن الأرامل يكن عرضة لأنواع متعددة من الاستغلال حتى في هذه الملاجئ التي يفترض فيها أن توفر لهن الحماية والأمان، ويزداد الخطر كلما كان عمر الأرملة صغيرا.

ويرى التقرير أن الاعتقاد السائد بان الأرملة شيء نجس هو الذي يؤدي إلى مثل هذا الامتهان للأرملة.

كما أن الاستيلاء على ميراث الأرملة وأموالها يحرمها من الاعتماد على هذه الأموال في أغراض الاستثمار والعمل الشريف، وبالتالي تجد نفسها للقيام بأعمال مهينة.

كما أن نظرة المجتمع للأرملة بالاحتقار والازدراء يحرمها من الزواج مرة أخرى، مما يضطرها للعيش تحت وطأة العار.

المجتمع يجبر الأرملة على العيش بالملاجئ الخاصة لهن (الجزيرة)

إمكانات جديدة
كن يبقى هناك بعض الأمل، ومع كل هذه المعطيات فإن الجيل الجديد لديه انفتاح وإمكانية لتحسين أوضاع الأرامل لأنه بدأ يدرك حجم المشكلة والمعاناة.

وأولى هذه الخطوات التخلص من التقاليد البالية وفك الحصار عن الأرامل وإعطاؤهن هامشا أكبر من الحرية والحياة الكريمة.

يقول أحد عناصر الهندوس ويدعى بهرمن داس، وهو مقيم بأحد المعابد الهندوسية في ماتورة، إنه لا يخالف زواج الأرملة بعد وفاة زوجها إذا توفى عنها في صغر سنها.

ويضيف قائلا إنه يجب عليها أن تتزوج مرة أخرى، و"نرى أن بعض من الأرامل تلبسن الملابس الملونة بدون تحليق الرأس".

هذا الوعي الجديد أسهم في إقدام كثير من الشباب للزواج من الأرامل، كما أن كثيرا من الرجال الأكبر سنا بدؤوا يتقبلون هذا الانفتاح الذي تدعمه المؤسسات والمنظمات الاجتماعية.

على الصعيد القانوني والرسمي، فقد أوصت المحكمة الدستورية العليا بالاهتمام بطبقة الأرامل وإعطائهن الأمن الاجتماعي والحقوق المالية الكاملة، كما أمرت ببذل جهود ممنهجة لتحسين أوضاعهن. 

من جانبها، تعمل الحكومة على تنظيم خطط تدريب مهني للأرامل لتتمكن من العمل والحصول على المال للخروج من هذه المأساة.

وتتضمن هذه الجهود إقامة المشاريع المتنوعة ومنها إجراء المنح المالية للأرامل والتي توضع في حسابهن بالبنك كل شهر، مع توفير المواد الغذائية ومنها 20 كلغ من القمح و15 كلغ من الأرز وكذلك السكر وغيرها.

مع كل هذه المساعدة المالية، الحكومة فتحت في هذه الملاجئ مشاريع إنتاج البخور والعطورات من الأزهار التي تقدم إلى المعابد والتي توظف فيها هؤلاء الأرامل.
المصدر : الجزيرة