"البالوظة الرمضانية".. مصرية تعيد حلوى تراثية إلى شوارع القاهرة

تحتفظ إيمان بسر البالوظة الذي ورثته عن عائلتها (الجزيرة)
تحتفظ إيمان بسر البالوظة الذي ورثته عن عائلتها (الجزيرة)

شيماء عبد الله-القاهرة

"البالوظة"، ربما مرّت الكلمة على أذنك في أحد الأفلام القديمة، أو لعلك قد سمعت عنها من جدتك، أو ذقت حلاوتها في إحدى ليالي الصيف، حينما كنت تحن إلى الحلوى ولا تجد أمك غير وصفة الجدات، فتصنع لك من الدقيق والنشا واللبن وبعض العسل حلوى لا تعرف لها اسما من فرط لذتها وطراوتها سوى "البالوظة".

قديما كانت تحفظ مكانتها إلى جوار الرز باللبن والمهلبية، لكن مع مزاحمة الكاسترد والبودنغ تراجعت البالوظة وأضحت أثرا بعد عين.

من جديد وفي القاهرة القديمة، حيث يتنفس المصريون عبق التاريخ والأجواء الرمضانية في شارع المعز، عادت للبالوظة مكانتها ورجعت بقوة لتنافس مرة أخرى حلويات الجانب الآخر من العالم الغربي، لكن هذه المرة لا تقدمها الجدات، لكنها بالوظة إيمان لكلوك.

عائلة لكلوك تتوارث سر البالوظة
لعائلة لكلوك باع طويل في صنع حلوى البالوظة، لكن منذ سنوات اقتصر الأمر على منتجات الألبان التقليدية، الرز باللبن، والزبادي في الفخار، والمهلبية؛ لكن إيمان -الابنة الصغرى في عائلتها- قررت أن تعيد البالوظة من بعد اندثارها، وتعيد لها سيرتها الأولى في شهر رمضان.

استقت خبرة التصنيع من والدها، وأعانها شقيقها على التجهيز، وتركت هي أسرتها وأطفالها ودراستها التي لا تزال تكملها بالتعليم المفتوح، وقررت أن تخوض التجربة، فاستأجرت محلا قديما للتصنيع، وصممت عربة خاصة بالبيع في الشارع العامر بالزوار ومريدي الحسين وسهراته الرمضانية.

بماء الورد والفاكهة الطازجة تزين إيمان طبق الحلوى المميز (الجزيرة)

مزيج الحليب والسكر بنكهة الورد
في عربة إيمان التي سكنت ناصية الحارة الضيقة بعيدا عن الزحام الرمضاني في شارع المعز،
مزيج من الدقيق والنشا والحليب والسكر، وقطع فاكهة طازجة تزين الطبق بألوان الموز والفراولة، ورائحة الفانيليا ومياه الورد التي تعم الحارة.

تلك العربة هي مشروعها الأول، وأولى محاولاتها للخروج من عالم العمل تحت ضغط إلى العمل الخاص والحر. لا تملك إيمان رفاهية الراحة، فمواعيدها محددة، وتوقيتات العمل ورعاية الأطفال والحفاظ على المنزل في أيام الشهر المبارك؛ كلها مهام تقع على عاتقها وحدها، ووحدها تتكفل بها.

ما بين خمسة جنيهات وعشرة، يتراوح ثمن البالوظة التي ترقد في صينيتها. الحلوى التي شارفت على الاندثار تدين لإيمان بعودتها من جديد، بعد أن رفض أبناء العائلة من الذكور أن يحملوا راية البالوظة، فتحولت عربة عم رضا، إلى عربة إيمان، في أحد أزقة الجمالية، هي آخر شاهد على المهنة قبل انقراضها، وقبل أن تقرر الثلاثينية أم البنين أن تعاود إحياء مهنة العائلة وسبب شهرتها، البالوظة التي بدأت واشتهرت في العصر الفاطمي، وانتشرت أيضا على يد العثمانيين، واحتفظت بسرها العائلة التي يعود نسبها لعلي بك الكبير الذي كان مستقره في القاهرة القديمة؛ وعلى يد إيمان يستمر السر والأمانة حتى النفس الأخير.

ثمة سؤال يردده البعض حينما يمرون أمام عربة إيمان "هل البالوظة مُسكِرة؟!" (الجزيرة)

هل البالوظة مُسكِرة؟!
ثمة سؤال يردده البعض حينما يمرون أمام عربة إيمان: "هل البالوظة مُسكرة"، تؤكد إيمان للجميع أنها لا تبيع شيئا يحمل شبهة الخمر، وأن مكونات البالوظة تخلو من أي شيء قابل للتخمير.

تختلف البالوظة التي تحفظ إيمان سرها العائلي عن "البوظة" التي ذكرها نجيب محفوظ في رواياته وردت في الأفلام المأخوذة عنها رغم تشابه الاسمين، فالبوظة عنده مشروب يشبه الخمور في كونه مصنوعا من الشعير المخمر.

المصدر : الجزيرة