التطريز اليدوي التونسي.. لوحات فنية تبدأ "بغرزة"

هندة انقطعت عن الدراسة في سن مبكرة ولجأت للعمل في مجال التطريز (الجزيرة)
هندة انقطعت عن الدراسة في سن مبكرة ولجأت للعمل في مجال التطريز (الجزيرة)

منيرة حجلاوي-سوسة

في ركن بيتها الدافئ العابق بروائح المدينة العتيقة والحومة (الحي) العربية بمحافظة سوسة بالساحل التونسي، ترسم هندة قزاح بأناملها مناظر طبيعية خلابة فوق قطعة من القماش ناصعة البياض، مستعينة بأجود أنواع الخيوط.

تحتاج هندة في عملية التطريز إلى مواد أولية عديدة من خيوط ذهبية وفضية إلى حمراء وخضراء وزرقاء وأقمشة كالحرير و"القمراية" ومادتي العقيق والعدس، وتحرص على أن تكون تلك المواد عالية الجودة ومصنوعة يدويا.

القرقاف والغرزة

هندة تتابع الغرزة تلو الأخرى مستخدمة أجواد أنواع الخيوط (الجزيرة)

ببراعة وخفة عاليتين، تضع هندة "القرقاف" -وهو عبارة عن ثماني لوحات خشبية على شكل طاولة تصلها ببعضها بعضا- وسط الغرفة، وتفرش فوقها قطعة القماش التي رسمت عليها سابقا الشكل المطلوب، ثم تأتي بكرسيّها الخاص وتنطلق في تطريز القطعة.

تقف برهة تشرح فيها للجزيرة نت أنواع التطريز اليدوي، "أولى الخطوات هي الغرزة التي تتعدد تسمياتها من غرزة الحساب على شكل علامة (x) إلى الغرزة النابلية نسبة إلى محافظة نابل (الشمال الشرقي التونسي) وتأخذ شكل المعيّن إلى الغرزة العربية".

منحنية باتجاه قطعة القماش وبنظرة ثاقبة، تُكمل هندة عملية التطريز، تغرس الإبرة بيدها اليمنى فوق الرسم وتسحبها بيدها اليسرى، وشيئا فشيئا ومع تجاوز كل غرزة سابقتها تتشكّل اللوحة الفنية من ورود وأغصان وأوراق زاهية الألوان.

إتقان وبراعة

منتجات هندة معروضة بأحد المعارض (الجزيرة)

في سن الخامسة عشر وجدت هندة نفسها مجبرة على البقاء في المنزل رضوخا للعادات والتقاليد التونسية القديمة التي ترى في دراسة الفتيات وخروجهن من البيت عيبا.

بابتسامة محتشمة تخفي وراءها الكثير، تقول هندة الجزيرة نت "لم أكن صاحبة القرار وكأي فتاة في ذلك الوقت لا بد لي من شيء أملأ به أوقات فراغي فوجدتُ ضالتي في حرفة التطريز اليدوي".

وتُكمل حديثها بكل فخر وقد احمرت وجنتاها خجلا "كنت بارعة ولم أستغرق وقتا طويلا حتى أتقنت هذه الحرفة حيث تعلمتها في البدء عن والدتي التي كانت تصرّ على تدريبي أنا وشقيقاتي، ثم تعلمت تقنيات جديدة في التطريز عن جارتنا باستعمال العقيق والعدس".

تعيش هندة (42 عاما) في بيتها الصغير في بلدتها البرجين بمعتمدية (حكم محلي) مساكن برفقة ابنها الوحيد ثمرة زواجها الذي لم يُكتَب له الاستمرار، تعتمد على نفسها وعلى ما تخطه أناملها لتعيل عائلتها الصغيرة.

وهي تُمرر الخيط بعين الإبرة تهزّ كتفيها قائلة "وجدت نفسي وراحتي في هذه الحرفة التقليدية، معها أنسى آلامي حتى إنها صارت شغلي الشاغل وأعمل على تطوير مهاراتي فيها، وبفضل مجهوداتي حصلت على شهادة في الكفاءة المهنية من المندوبية الجهوية للصناعات التقليدية بسوسة".

طول النفس

تطريز يدوي من إنتاج هندة (الجزيرة)

بعينين أثرت فيهما 27 عاما من الخبرة في هذه الحرفة، تشدد هندة على أن إتقانها يبدأ قبل كل شيء من القلب مع كثير من التحلي بالصبر وطول النفس والبال والدقة.

كان التطريز اليدوي في تونس قديما يقتصر على اللباس التقليدي أو ما يعرف "بالتخليلة"، غير أن الحرفيين يسعون اليوم إلى تطوير هذه الصناعة فأصبحت تستعمل في اللباس اليومي وتجاوزت حدود المناسبات والأعراس وتوجد على مختلف أنواع الأقمشة.

ومن بين الأفكار المتجددة التي ابتكرتها هندة، تؤكد "لقد كنت سباقة في تطريز جهاز العروس التونسية وخاصة الفراش كما تميّزت بتطريز الوسائد والمفروشات واللباس بمختلف أنواعه والحقائب وغيرها من المنتجات".    

ترتكز علاقة هندة بعملائها على الثقة، يخبرونها برغباتهم وطلباتهم فتلبيها لهم وتنصحهم إن تطلب الأمر فيستمعون إليها وهي التي أمضت 27 سنة في هذا المجال ولا تزال تطمح إلى الاستمرار فيه شغفا به وباعتباره مورد رزقها الوحيد.

إصرار رغم الصعوبات

القرقاف يتوسط الغرفة في انتظار تطريز القطعة (الجزيرة)

تؤكد هندة بنبرة يشوبها قليل من التعب "عشقي لفن التطريز اليدوي لا يزال متّقدا كأول يوم تعلمته فيه، فحينما لا تلامس يداي القرقاف أشعر بشيء كبير ينقصني، سأواصل رغم التحديات التي تواجهني فأنا أحيانا ألجأ إلى مصاريف المنزل لشراء المواد الأولية".

وكغيره من القطاعات، تأثر قطاع الصناعات التقليدية سلبا بغلاء الأسعار في تونس خاصة وأن الحرف اليدوية صعبة وذات جودة عالية، وحسب هندة فهي تدفع لشراء ما تحتاجه من مواد أولية للقطعة الواحدة 150 دينارا (50 دولارا) وتبيعها بأقل من 200 (حوالي 70 دولارا) دينار.

لا تخفي هندة مخاوفها من أن تضطرها ظروفها الاقتصادية وارتفاع الأسعار إلى التّخلي عن مهنتها، وهي تأمل أن لا يقتصر ترويج منتوجاتها على المعارض أو بعض الحرفيين فقط، وإنما تطمح إلى تصديرها للخارج نظرا لقيمتها وجودتها العاليتين.

تمثل النساء نسبة 84% من حرفيي الصناعات التقليدية في تونس عامة، في حين يمثل هذا القطاع قرابة 11% من اليد العاملة النشيطة في البلاد، وفق تصريح المندوب الجهوي للصناعات التقليدية بسوسة قيس قعلول للجزيرة نت.

تشجيع الحرفيات

وسائد مطرزة يدويا من تنفيذ هندة (الجزيرة)

ووفق قعلول، تتولى المندوبية تأسيس الحرفيات وتسهيل الإجراءات الأولى لبعث مشاريعهن وصولا إلى مرحلة تسويق وتصدير منتجاتهن.

كما تشمل إجراءات تشجيع الحرفيات، تمويل مشاريعهن بمنحهن مبالغ مالية تتراوح بين 3 و4 آلاف دينار (1000 و1300 دولار) حسب طبيعة النشاط.

أما بالنسبة للحرفيات صاحبات الشهادات العليا فيحصلن على تمويل يفوق 100 ألف دينار (قرابة 34 ألف دولار)، وهي أموال ترصدها الدولة التونسية، وفق قيس قعلول.

وتبقى هندة والمئات مثلها في انتظار مزيد من التشجيع لدعم مبادراتهن التي تندرج في إطار المحافظة على التراث التونسي الذي يمثل مصدر قوت نسبة هامة منهن.

المصدر : الجزيرة