نساء الثورة السودانية.. مناضلات جعلن لرمضان مذاقا خاصا

المرأة السودانية في قلب المعركة، شاعرة، وطبيبة، وطالبة، وبائعة شاي، وطباخة، بل وصحافية (مواقع التواصل)
المرأة السودانية في قلب المعركة، شاعرة، وطبيبة، وطالبة، وبائعة شاي، وطباخة، بل وصحافية (مواقع التواصل)

صفاء علي

رمضان في كل دولة عربية له مذاق خاص، أما في السودان هذا العام وبعد حوالي شهر من سقوط البشير فهو مختلف كليا، حيث يهل الشهر الكريم "بطعم الثورة"، وإن كان من عادة الشعب السوداني تناول الإفطار في الساحات وفي الشوارع، فإن السودانيين ما زالوا يمارسون هذا الطقس الرمضاني الفريد، ولكن أمام مقر القيادة العامة في ساحة الاعتصام، حيث نقل المتطوعون طقوس الإفطار إليها، وحمل البعض الزينة، وتم تجهيز الساحة بكل مظاهر الشهر الكريم، محاولات عدة هدفها واحد: الحفاظ على وحدة الصف، وتحقيق مكاسب جديدة تسمح بانتقال السلطة للمدنيين.

"تسقط تسقط.. تسقط بس، حكومة الذل، تسقط بس، حكومة الجوع، تسقط بس"، الشعار الذي رفعه الثوار، ورفعته المرأة جنبا إلى جنب مع الرجل.

لا يخفى على أحد دور المرأة السودانية في صناعة التغيير، مثل مشاركتهن في ثورات السودان 1825-1885، وهي الثورة ضد الحكم التركي، وفيها قامت مُهيرة، وكانت شاعرة، في شمال السودان بتشجيع زعماء القبائل للوقوف ضد الجيش التركي ومحاربته، وذلك من خلال قصائدها التي استخدمتها لتشجيع قادة قبيلتها وجيشها من أجل الاستمرار في النضال، وخلال الاستعمار الإنجليزي للسودان (1898-1956) في غرب السودان وتحديدا في جبال النوبة، حملت ماندي أجبنا رأس أبيها، وهو ملك أُعدم من قِبل الجيش الاستعماري، حملتها لأيام خلال جبال النوبة لكي تقنع 17 ملكا لتوحيد قواهم ومحاربة الإنجليز من أجل حماية أراضيهم وتحرير شعوبهم.

المرأة السودانية الآن تقف أيضا في قلب المعركة، شاعرة، وطبيبة، وطالبة، وبائعة شاي، وطباخة، بل وصحافية أيضا، وما زالت قلب الثورة النابض، متصدرة الصفوف الأمامية، تكافح من أجل التغيير، رغم الصيام، ورغم ارتفاع درجات الحرارة التي قد تصل إلى 45 درجة مئوية.

أطباق رمضانية سودانية على مائدة إفطار الاعتصام (مواقع التواصل)

إعداد وجبات الإفطار
التنظيم داخل ساحة الانتظار سمة أساسية، فالجميع يعرف دوره جيدا، وداخل الاعتصام تقف السودانيات منذ الصباح الباكر لإعداد وجبات الإفطار لجميع المعتصمين، وبحسب نهال بشير وهي من المشاركات في الاعتصام "صمنا دون البشير والكيزان بعد ثلاثين عاما من الظلم والديكتاتورية، نفطر دائما في الشارع، لكن هذا العام هو إفطار من أجل الحرية والكرامة".

وتقول نهال -في حديثها للجزيرة نت- إن عمليات إعداد الطعام بكميات كبيرة، أحد الأدوار النسائية بمشاركة الرجل، ويشارك في إعداده النسوة داخل مطبخ الاعتصام، وتأتي مؤن الطعام من طريقين إما التبرعات من الداخل أو الخارج التي توجهها لجنة خاصة مُخصصة لجمعها، أو عن طريق شركات الأغذية داخل السودان، التي لم تتوقف عن إمداد الساحة بالمؤن رغم التحذيرات الأمنية.


ويتم طهي الطعام عادة داخل الاعتصام، بالإضافة إلى وجبات تأتي من خارجه، وتشمل وجبات سودانية ثابتة على المائدة الرمضانية مثل العصيدة، والفول والبليلة، وأحيانا تقوم سيدات من حي بري، الذي اشتهر خلال الاحتجاجات بالنضال، بإعداد معظم الأطباق الرمضانية، وفي أول يوم من الاعتصام جُهز ما يزيد على ألفي طبق عصيدة من الحي ذاته.

الجميع لا يبخل عن البذل في سبيل الاعتصام، مثل الطالبة في الجامعة السودانية رويدة نور، فبالإضافة لتأديتها لصلاة الجماعة وختم القرآن والدعاء للوطن والشهداء يوميا في ساحة الاعتصام، فهي تدفع كل مصروفها الشخصي، كما تجمع الأموال من رفيقاتها أيضا وتشتري المؤن لتجهيز وجبات الإفطار للمعتصمين، وتستيقظ منذ الصباح الباكر لإعدادها وإعداد العصائر الرمضانية.

المرأة السودانية مُتصدرة الصفوف الأمامية في الميدان (رويترز) 

زغرودة الثورة.. رمضان بطعم الانتصار
ملاذ زكريا هي أيضا إحدى المعتصمات داخل الميدان، وتعمل مهندسة، ورغم ظروف عملها ورفض أهلها أحيانا مشاركتها، إلا أن كل ذلك لم يُثنيها عن المشاركة، إذ ترى أنه لا ثورة دون النساء اللاتي ينظمن مسيرات كبيرة.

وإذا كان الغناء هو أحد وسائل إنجاح الثورة في حفلات مسائية ينظمها فنانو الثورة، فإن زغاريد النساء بحسب ملاذ هي شرارة بدء التظاهرات والهتافات، بعد الإفطار مباشرة.

بالإضافة لزيارات توعية للأحياء المجاورة، تقوم بها الشابات لتعريف المواطنين بحقوقهم، ودحض شائعات بقايا النظام بفشله، وحثهم على ضرورة المشاركة.

أما زميلتها عزة عادل فترى أن رمضان هذا العام بالنسبة للسودانيين "بطعم الانتصار"، فالروح المعنوية مرتفعة جدا رغم الإصابات والشهداء في رمضان مقارنة بالأيام الأخرى، وتقول في حديثها للجزيرة نت "مازلنا بنفس القوة ونفس الصمود".

بوابة حماية الثورة
تأخذ آية على عاتقها مهمة علاج المصابين، إذا حدث هجوم على الاعتصام، وفي العادة فإنها إحدى المسؤولات داخل اللجنة الأمنية للاعتصام، ويتمثل دورها في محاربة الظواهر السلبية مثل التحرش والسرقة، وكذلك تفتيش زائري الاعتصام، والحفاظ على النظام والأمن بكل صوره.

إلى جانب ذلك فهي تُشرف على محاضرات توعية للنساء بدورهن وحقوقهن المسلوبة التي يجب انتزاعها مثل العدالة النوعية، والمواطنة، ومساواة المرأة بالرجل، وتأصيل حق المرأة في الدفاع عن حقوقها، ووجود قوانين حامية للقاصرات من الزواج المبكر، وغيرها من القوانين التي يجب أن تصدر لإزالة غبن ثلاثين عاما من الظلم عانت فيها المرأة كل أنواع المعاناة.

وفي الوقت ذاته، ترى آية بحسب تصريحها للجزيرة نت أن هناك شوطا واسعا يجب أن تبذله المرأة السودانية للحصول على حقوقها، خاصة في ظل وجود فئة "الأمهات كبيرات السن"، فبرأيها أنهن أكبر حاجز لوصول النسوة إلى حقوقهن.

سيدات الشاي
درة قمبو مراسلة صحفية سودانية، بخلاف دورها صحفية تسهم في تغطية أخبار الاعتصام، فهي تسهم أيضا في التنسيق الإعلامي بين قادة الاعتصام ووسائل الإعلام، بالإضافة لتنظيم دور إذاعة الاعتصام.

وتُثمن درة بحسب تصريحها للجزيرة نت دور السيدات بائعات الشاي، وهي حرفة تمتهنها بعض السيدات، اللاتي تركن مصدر رزقهن الوحيد في إعداد الشاي وبيعه، ليقمن في الميدان إقامة شبه كاملة ويوزعن الشاي والقهوة بالمجان، فهن بحق "أمهات الميدان".

المصدر : الجزيرة