نسيج المرقوم التونسي.. ذاكرة شعبية تأبى الاندثار

نفطية حرشاني: لآخر نفس في حياتي سأواصل نسيج المرقوم (الجزيرة)
نفطية حرشاني: لآخر نفس في حياتي سأواصل نسيج المرقوم (الجزيرة)

 منيرة حجلاوي-سيدي بوزيد

"يوفى مال الجدّين وتبقى صنعة اليدين"، مثل شعبي تونسي قديم معناه أن أموال الأجداد تنفد وتبقى حرفة اليدين، وفيه دلالة على أهمية تعلّم الحرف التقليدية واعتمادها كوظيفة مهمة، والتمسك بها للمحافظة عليها من النسيان.

نفطية حرشاني حرفية من محافظة سيدي بوزيد بالوسط الغربي التونسي، اشتهرت بنسيج المرقوم التقليدي من مفروشات زاهية الألوان تسمى "كليم" مليئة بالزخارف والرسوم والرموز الأمازيغية على غرار "الخمسة" (شكل اليد) وحيوان الجمل.

تسارع نفطية في إتمام واجباتها كربة بيت قبل الذهاب إلى ورشتها الصغيرة التي تبعد بضعة أمتار عن منزلها في معتمدية بئر الحفي، يقودها شغفها واشتياقها إلى إنهاء معلّقة حائطية بدأت نسجها.

مرود وخلالة
تجلس أمام آلة النسيج التي تُعرف لدى أهالي الجنوب والوسط التونسيّيْن "بالسداية"، حيث كانت تُصنع في القديم من الخشب، أما اليوم ومع تطور قطاع النسيج فأصبحت تُصنع من الحديد.

بمهارة شديدة وتركيز تام تمرّر نفطية خيوط الصوف -أو ما يطلق عليها اسم "الطّعمة"- الواحد تلو الآخر بين خيوط "السداية" المعروفة "بالجدّاد" باستعمال "المرود"، وتضربها بسرعة فائقة بـ"الخلالة" (قطعة خشب أو حديد مدبب طرفها) حتى تلتحم الخيوط مع بعضها بعضا وتكوّن نسيجا متينا دون فراغات.

في محلها المتواضع تعمل يوميا قرابة ثماني ساعات، ومع أول ضربة بالخلالة تسرح نفطية في عالمها الخاص وتنقطع عما يدور حولها، فهي تحبذ التركيز وألا يلهيها أحد أو يقطع حبل أفكارها.

بتركيز تام تمرر نفطية خيوط الصوف بين خيوط الجداد (الجزيرة)

نفطية.. الأم والأب
تعلّمت نفطية (56 سنة) حرفة نسيج المرقوم منذ سن الخامسة عشرة عن والدتها وجدّتها، ككل فتاة في عصرها لا تخرج لا للدراسة ولا للترفيه ولا للعمل، بل عليها إتقان الوظائف المنزلية والحرف التقليدية، فاكتساب هذه المهارات شرط مهم لحصول الفتاة على زوج.

تلعب نفطية -إلى جانب دورها كأم- دور الأب بعد وفاة زوجها، فتتكفل بإعالة أسرتها من خلال صناعة المرقوم وبيع ما تجود به أناملها من إبداعات، وتسهر على تربية أبنائها وتتحمل أعباءهم ومصاريفهم.

نسيج المرقوم مورد رزق
اعتمدت نفطية نسيج المرقوم مورد رزق تقتات منه، إذ وجدت نفسها لا تتقن إلا هذه الحرفة ولا ترتاح نفسيا إلا بممارستها، فكانت الانطلاقة بالعمل في منزلها، ثم تطورت للمشاركة في المعارض؛ ورغم فشلها في بعض الأحيان فإنها لم تيأس وأصرت على الاستمرار.

مع مرور الأيام كبرت نفطية وكبر معها تعلّقها بنسيج المرقوم، وعملت على تطوير مهاراتها بابتكار أفكار لرسوم وأشكال هندسية جديدة، كما لم يعد يقتصر المرقوم على المفروشات فحسب وإنما تعداها إلى المعلقات الحائطية والوسائد وتغليف المقاعد والسلال.

الصوف وخيوط الجداد والمرود الخشبي والخلالة الحديد هي مواد نسيج المرقوم (الجزيرة)

الصبر.. بطاقة الكفاءة المهنية
تُعدّ اليوم نفطية علامة فارقة في نسيج المرقوم ومثالا يحتذى به في الصبر والعزيمة والمثابرة والاعتماد على الذات، مما خوّلها الحصول على بطاقة الكفاءة المهنية وعلى جوائز وتكريمات بفضل بصمتها وتفردها في هذه الحرفة وتطويرها مع المحافظة على خصائصها الأصلية.

أطلقت نفطية مشروعها الخاص بعد حصولها على قرض صغير، واستأجرت محلا بقرابة مئتي دينار (حوالي 67 دولارا) سعيا منها لتطوير حرفتها وإشراك بعض فتيات بلدتها وتعليمهن هذا التراث الوطني.

يبلغ عدد الحرفيين المدرجين بالسجل الحرفي في سيدي بوزيد 7164 حرفيا، وتتجاوز نسبة النساء العاملات في قطاع الصناعات التقليدية في الجهة 95%، إذ يعتمدن على حرفهن كموارد رزق قارة.

العمل.. أمل متجدد
تحتاج نفطية إلى الصوف مادتها الأساسية، وهي تحرص على أن يكون طبيعيا فاهتمامها بجودة منتوجاتها يأتي على رأس أولوياتها، حتى أنها تتنقل خصيصا إلى المحافظات المجاورة كالقيروان (وسط) وسوسة (الساحل) لتوفير حاجتها من هذه المادة التي تشهد نقصا جراء اندثار هذه الصناعة التقليدية وتراجع عدد حرفييها.

ولا تكتمل فرحة نفطية بما تجنيه مما تيسر من المال بعد بيع منتوجاتها فحسب، وإنما بما حولته أناملها المبدعة من أفكار إلى أشكال ملموسة تسر الناظر إليها وتحظى بإعجاب الزبائن ورضاهم.

عملها شاق ولكنه ممتع، وحتى لو لم يمكنها إلا من دفع إيجار المحل فهو كاف بالنسبة لها، فبقاؤها يوما واحدا في المنزل دون أن تداعب أناملها المرود أو تدق بالخلالة على خيوط الصوف المتراصة، يسبب لها حالة اكتئاب، في حين أن تنقلها اليومي بين منزلها ومحلها هو بمثابة أمل متجدد في حياتها.

نفطية: لو لم أتمكن إلا من دفع إيجار المحل فهذا يكفيني (الجزيرة)

إلى آخر نفس
تُصرّ هذه المرأة على التمسك بحرفتها إلى آخر نفس لها، وتأمل في أن تضاعف الأطراف المسؤولة دعمها لتأهيل نساء محافظتها في نسيج المرقوم، عبر توفير رأس المال والمواد الأولية للمحافظة على تراث سيدي بوزيد من الاندثار.

وتعاني حرفيات سيدي بوزيد من إشكاليات عدة، أبرزها تصدير وتسويق منتوجاتهن خارج تونس. ووفق المندوب الجهوي للصناعات التقليدية بالجهة خالد عمري، فإن الإشكالية تكمن في الكمّ، مؤكدا أن وزارة السياحة وعدت بالعمل على اكتساح الأسواق العالمية في هذا القطاع.

تدخل السلطة
عمري أوضح للجزيرة نت أن تسعين حرفيا من أصحاب البطاقات المهنية انتفعوا بقروض سنة 2018 تصل إلى خمسة آلاف دينار (1600 دولار)، كما تمت برمجة معارض جهوية تقريبا في كل المحافظات لترويج منتوجات الحرفيين، حيث كانت المشاركة مجانية بنسبة 99% من إقامة ونقل وتوفير جناح العرض.

المندوبية تولت أيضا تأهيل 220 حرفيا في سيدي بوزيد العام الماضي في الاختصاصات المختلفة، على غرار المرقوم والزربية والنسيج اليدوي وخشب الزيتون، بحسب المصدر نفسه.

ولا تتجاوز نسبة الحرفيين من أصحاب الشهادات العليا في سيدي بوزيد 1%، فيما تصرّ نفطية ومثيلاتها على المحافظة على ما ورثنه عن أمهاتهن من حرف تقليدية رغم كل صعوبات نقلها للأجيال القادمة.

المصدر : الجزيرة